القفز إلى الأمام.. وسياسة تشتيت الانتباه
محمد سعد عبدالحفيظ
آخر تحديث:
الأحد 4 أكتوبر 2026 - 9:36 م
بتوقيت القاهرة
عندما يعجز نظام حكم عن مواجهة أزماته فى الداخل، ولا يملك تقديم حلول للأزمات الصعبة التى تفرضها عليه الأوضاع الاقتصادية والسياسية والأمنية، يلجأ أحيانًا إلى القفز إلى الأمام؛ فيصطنع أزمات فى الخارج، ويختلق أعداءً خارج حدود دولته، ليشتت اهتمام الناس، ويغرق وسائل إعلامه بأحاديث المؤامرات التى تُحاك ضد بلاده.
تعرف هذه الاستراتيجية فى أدبيات العلاقات الدولية بـ«سياسة تحويل الانتباه»، ولا يشترط لتنفيذها وجود عدو حقيقى؛ إذ يمكن اختلاقه من العدم، أو تضخيم خلاف قائم مع طرف خارجى، وتحويله إلى قضية أمن قومى، لشحن المشاعر الوطنية وتأجيجها ضده.
رئيس الوزراء الإثيوبى آبى أحمد، المحاصر بأزمات داخلية، قرر منذ فترة تبنى هذه الاستراتيجية، ماضيًا فى الطريق نفسه الذى يسير فيه صديقه رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو. فكلاهما يواجه أزمات سياسية وأمنية عميقة، وكلاهما جعل من الخطر الخارجى حاضرًا فى خطابه، وكأن أفضل طريقة لتجنب الحساب على ما يجرى فى الداخل هى إبقاء الجمهور مشغولًا بمعركة أخرى مع العدو الخارجى الذى يتآمر على البلاد.
ففى الوقت الذى تتجدد فيه الحرب فى تيجراى، وتتسع المواجهات مع القوى المسلحة فى أمهرة وأوروميا، ويتشكل تحالف من سبع جماعات معارضة بهدف إسقاط حكومته، راحت أديس أبابا توسع دائرة خصومها فى الخارج.
فى الأول من أكتوبر، أغلقت إثيوبيا سفارتها فى أسمرة، وطردت عشرة دبلوماسيين إريتريين، متهمة إريتريا بأعمال «عدائية وتصعيدية» تهدد أمنها القومى. وبعد ساعات قطعت أسمرة العلاقات الدبلوماسية مع أديس أبابا؛ وفى اليوم نفسه طردت إثيوبيا دبلوماسيًا مصريًا، فردت القاهرة بالمثل.
وبينما كانت المعارك تشتعل مجددًا فى الداخل الإثيوبى، لجأت حكومة آبى أحمد إلى الحيلة المعتادة، فاتهمت إريتريا ومصر والسودان بدعم القوى الساعية إلى إسقاطها، فى محاولة للهروب من استحقاق فرض الاستقرار، ومعالجة الأسباب الحقيقية للأزمة.
لم تكن تلك هى المرة الأولى التى يبحث فيها آبى أحمد عن خصم خارج الحدود؛ فمن السودان ومصر إلى الصومال وإريتريا، اتسعت دائرة أزماته الإقليمية.
دخل الرجل فى صدامات مع الخرطوم حول الحدود والمياه، وخاض مواجهة طويلة مع القاهرة بسبب سد النهضة، ثم وقع اتفاقًا مع «أرض الصومال» أملًا فى الحصول على منفذ بحرى، قبل أن يجعل من الوصول إلى البحر الأحمر قضية أمن قومى، رغم أن إثيوبيا دولة حبيسة منذ انفصال إريتريا عنها عام 1993.
المفارقة أن الرجل يشكو من تدخلات بعض دول الإقليم فى بلاده، بينما تؤكد تقارير دولية تورط إثيوبيا فى تأجيج أزمات جيرانها والتدخل فى صراعاتهم؛ إذ وثقت تحقيقات مستقلة استخدام أراضٍ إثيوبية فى تدريب وتجهيز ودعم قوات الدعم السريع فى السودان، المتهمة بارتكاب جرائم حرب وانتهاكات واسعة، فيما تسبب اتفاق «أرض الصومال» فى أزمة حادة مع مقديشو.
المشكلة أن كل ذلك يحدث بينما يحاول آبى أحمد أن يقدم صورة مختلفة عن الواقع الداخلى، فحزبه «الازدهار»، خرج من انتخابات يونيو الماضى بنحو 90% من المقاعد المعلنة فى البرلمان، لكن هذا التفوق الانتخابى الكاسح يتجاور اليوم مع عودة القتال فى تيجراى، واتساع المواجهات فى أقاليم أخرى، وتشكيل تحالف مسلح يعلن أن هدفه إسقاط الحكومة.
وهنا يلتقى آبى أحمد مع صديقه بنيامين نتنياهو؛ فعندما تحاصره الأزمات السياسية وتتراجع شعبيته أو يواجه استحقاقات داخلية تهدد مستقبله، يصبح الخطر الخارجى حاضرًا بقوة فى خطابه، فيقفز رئيس الوزراء الإسرائيلى من جبهة غزة إلى لبنان ومنها إلى إيران، هربًا من شبح سقوط ائتلافه الحاكم فى انتخابات الكنيست المرتقبة.
لا يعنى ذلك أن كل أزمة خارجية يصنعها الرجلان للهروب من الداخل، لكن التشابه يكمن فى توظيف الصراع الخارجى لتغيير موضوع النقاش، وتشتيت الانتباه عن الإخفاقات وتسليط الأضواء على العدو الخارجى.
قد تنجح هذه الحيلة فى تغيير أجندة أخبار وسائل الإعلام لفترة، لكنها لا تغير الواقع؛ فالحرب لا تخفض التضخم، وطرد دبلوماسى لا ينهى تمردًا، وإغلاق سفارة لا يعالج أزمة سياسية، واتهام الجيران بتأجيج الصراعات، لا ينفى عجز الحكومة عن تحقيق الاستقرار داخل حدودها.
قد يتحول القفز إلى الأمام من وسيلة للهروب إلى طريق للسقوط؛ فحين تتراكم الجبهات الخارجية فوق أزمات الداخل، قد يجد الحاكم نفسه وقد نقل الأزمة من مكان إلى آخر، لكنه لم يتخلص منها.
استخدام الحيلة ذاتها مع كل أزمة يجعل الشعوب، مع الوقت، تفقد الثقة فيما يطرحه عليها حكامها؛ وحينها يصبح الحديث عن العدو الخارجى والمؤامرة مجرد وسيلة مستهلكة وفاشلة للهروب من الفشل.