لعنة الجيوبوليتيك ومصائر العالم
العالم يفكر
آخر تحديث:
الأحد 4 أكتوبر 2026 - 10:12 م
بتوقيت القاهرة
على غرار الدورات الاقتصادية، التى تتوالى فيها المراحل من الانتعاش إلى النهوض، إلى الذروة ومن بعدها الركود والانكماش ومن ثم الكساد الذى هو عبارة عن انكماش عميق وطويل الأمد يقود إلى انهيارات شاملة فى الاقتصاد، فتنفجر الأزمة، يليها مخاض ينجم عنه انتعاش.. لتعود وتبدأ الدورة من جديد؛ على غرار هذه الدورات الاقتصادية، ثمة دورات جيوبوليتيكية تتضمن حقبات طويلة من الانفراج الذى يولد التعاون والثقة بين الدول الكبرى، تعقبها حالات تراجع وتردٍ فى المناخ الجيوسياسى تتفاقم تدريجيا لتصل إلى النزاع والمواجهة، أى الانهيار (تصل إلى الذروة على شكل حروب إقليمية فى أغلب الأحيان، بل وحتى عالمية فى أحيان أخرى.. والتاريخ خير شاهد على ذلك)، تدخل بعدها الدول المتصارعة، وقد أنهكتها المواجهة، مرحلة الانفراج فى العلاقات الدولية.. لتعود وتبدأ الدورة من جديد.
يعيش العالم اليوم فى المراحل الأخيرة من حقبة التراجع والتردى الجيوسياسى المنذرة بالتحول إلى نزاعات خطيرة. تتميز هذه الحقبة بانخفاض مستوى التعاون وتردى الثقة بين اللاعبين الكبار على الحلبة الدولية (الولايات المتحدة، الصين، روسيا، أوروبا)، واندلاع نزاعات مسلحة (بالواسطة) وتجارية بينهم، وعقوبات متبادلة؛ وتراجع دور المنظمات الدولية (الأمم المتحدة ومتفرعاتها) إلى حد العجز التام فى أغلب الأحيان. فى هذه الظروف فقدت القوانين والأعراف الدولية دورها إلى حد كبير، من دون أن تتشكل بدائل منها حتى الآن.
فى المجال الاقتصادى يكون التراجع عادة عبارة عن حالات ركود قصيرة الأمد فى الناتج المحلى الإجمالى (GDP) تتفاقم فى حال الفشل فى معالجتها وصولا إلى انفجار الأزمة، تليها مرحلة نهوض أو انتعاش، ثم تتوالى المراحل التى أشرنا إليها. وعموما، يمكن التنبؤ بمراحل الدورات الاقتصادية. أما فى المجال الجيوسياسى، فإن التراجع والتردى هو عبارة عن حقبة طويلة، قد تستغرق عقودا من الزمن، من تآكل النظام المعتاد المتوافق عليه بين الدول الكبرى. الخروج منها يكون عادة أصعب من الخروج من الركود الاقتصادى، ويستحيل التنبؤ بنهاياتها.
فى المجال الاقتصادى، من المهم فى الدرجة الأولى الحيلولة دون تحول الركود إلى انكماش يؤدى إلى أزمة وكساد (Depression). أما فى المجال الجيوسياسى، فإن الانتقال من حالة التراجع إلى حالة «الكساد» (نستخدم هنا المصطلح الاقتصادى) والذى يعنى الانهيار، يفضى إلى الحرب حتما، وإن بأشكال مختلفة. ومن المعروف أن الحروب ذات الأبعاد الجيوبوليتيكية تؤدى عادة إلى إعادة تشكيل العالم، إلى ولادة نظام عالمى جديد على أنقاض السابق. والعالم اليوم على عتبة تحول جذرى من هذا النوع.
دور الذكاء الاصطناعى
يمكن أن يصبح الذكاء الاصطناعى، فى حال سوء استخدامه، عاملا محفزا ﻟ «الكساد» الجيوبوليتيكى، أى الانهيار فى العلاقات الدولية. وفى الواقع، يمكن أن يتحول الذكاء الاصطناعى إلى «سلاح» القرن الحادى والعشرين «النووى». إذ يمكن أن يستخدم فى الهجمات السيبرانية وحملات التضليل وتزييف الحقائق واختلاق «أحداث وأفعال» لم تحصل، وفى شل قدرات عسكرية هائلة لجيوش جرارة، وفى توليف سموم بيولوجية...إلخ. وعلى خلاف السلاح النووى، يستحيل فرض رقابة على «انتشار» الذكاء الاصطناعى. والذكاء الاصطناعى يبدل شكل الحروب ويغير أساليبها والأدوات المستخدمة فيها، فيتراجع دور وفعالية الأسلحة التقليدية، مهما بلغت درجة تطورها، ويمنح الغلبة لمن يمتلك ناصيته.
يتطلب الخروج من «الكساد» الجيوبوليتيكى إرادة سياسية جبارة وإجراء تغييرات مؤسساتية جديدة. والمثال على ذلك، أزمة الكاريبى فى العام 1962، عندما وقف العالم على شفير حرب نووية لا تبقى ولا تذر، ما أرغم الجبارين النوويين آنذاك، الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتى، على اجتراح تنازلات متبادلة كانت كفيلة بإنقاذ العالم من الكارثة النووية. واقتراب الكارثة اليوم يمكن أن يدفع كلا من الولايات المتحدة والصين، وكذلك الولايات المتحدة وإيران للجلوس إلى طاولة المفاوضات. والأمر نفسه ينبغى أن يدفع أوروبا وروسيا إلى إيجاد مخرج من الأزمة الأوكرانية القاتلة، قبل أن تتحول إلى «كساد» جيوبوليتكى مع كل عواقبه المدمرة.
الجيو اقتصاد – ترابط الاقتصاد والجيوبولوتيك
من جهة أخرى، لا يمكن تناول التقلبات الجيوبوليتيكية من دون التمعن بالجوانب الاقتصادية للصراعات وخلفياتها، ودوافع القرارات بشأنها وارتباطها بالمصالح الجيوسياسية للدول. هذا الترابط بين الجيوبوليتيك والاقتصاد يدفعنا للحديث عما يسمى «الجيو اقتصاد» (Geoeconomics)، والذى يعنى تداخل المصالح الاقتصادية مع الأهداف الجيوسياسية للدول.
إن القوة الاقتصادية الحقيقية لأى دولة تتحدد فى ما يمكن أن تحققه من منافع من خلال التجارة والتعامل الاقتصادى مع البلدان الأخرى، وذلك استنادا إلى قدراتها الذاتية وتوظيف كامل طاقاتها ومواردها فى سبيل تحقيق هذا الهدف. ويتيح «مؤشر المنفعة التجارية» (Trade Benefit Ratio, TBR) الجديد، الذى صاغه علماء الاقتصاد السويسريون هانس غيرباخ وبول مونوار وكيران وولش فى دراسة نشرت مؤخرا تحت عنوان «القيم الاقتصادية التى تخلقها دولة ما للدول الأخرى، مقارنة بمنافعها الذاتية» على موقع CEPR.org/VoxEU، وضع صورة شاملة للنفوذ الجيو اقتصادى الذى يتحقق من خلال العلاقات التجارية.
مع أن العولمة رفعت مستوى الإنتاجية والمداخيل فى مختلف أنحاء العالم، إلا أن سلاسل الإنتاج العولمية المترابطة أدت إلى ظهور مخاطر جديدة على الاقتصاد. فقد تضاعفت أهمية «الجيو اقتصاد»، والتى تعنى لجوء بلد معين لاستخدام قوته الاقتصادية للتأثير على الدول الأخرى المشاركة فى العلاقات الدولية، من أجل تحقيق أهدافه الجيوسياسية والاقتصادية على حساب تلك الدول، حتى الصديقة والحليفة منها. ويتلخص جوهر مفهوم «الجيو اقتصاد» ونظرية القدرة الاقتصادية على النحو التالى: ما الذى يمكن أن يحصل فى حال مقارنة الخسارة التى يمكن أن يلحقها بلد معين ببلد آخر فى حال اتخاذ قرارات اقتصادية مقترنة بعقوبات ضد المنافس أو المنافسين مع التلويح بالهراوة العسكرية أحيانا، بالتكلفة التى يمكن أن يتكبدها البلد نفسه جراء ذلك؟ يستنتج من هذه المقارنة أن البلد الذى يتمكن من إلحاق ضرر ببلد آخر أكبر من الخسائر التى يتكبدها هو، يحصل على إمكانية فريدة لإملاء شروطه وفرض تنازلات على البلد الآخر بوساطة السياسة الاقتصادية وأدواتها المعززة بالنفوذ على المستوى الدولى.
وقد تضاعفت أهمية «الجيو اقتصاد» بصورة خاصة، وعلى نحو فج، بعد وصول الرئيس دونالد ترامب إلى سدة الرئاسة فى الولايات المتحدة. فغدت التهديدات بفرض الرسوم الجمركية العالية ورفعها إلى مستويات غير مسبوقة أداة معتادة من أدوات الممارسة الجيوسياسية، مرفقة بعقوبات اقتصادية ومالية قاسية على بلدان معينة، مع تهديدات مكشوفة باستخدام القوة العسكرية إذا اقتضت الحاجة. الأمر الذى ينذر بدخول العالم «حربا باردة» اقتصادية بين الكتلة الغربية من جهة، وغالبية بلدان العالم الأخرى من جهة ثانية، وطى صفحة «العولمة» بصورة شبه نهائية، فيدخل العالم فى ما سميناه «الكساد» الجيوبوليتيكى، المنذر بالانفجار.
هذا الواقع المستجد أحيا فى الأوساط الأكاديمية الاهتمام بمفهوم «الجيو اقتصاد»، والسعى، بواسطة النظرية الاقتصادية والإحصاءات التجارية ومعاينة طبيعة العلاقات التجارية بين الدول، إلى تلمس منابع القوة الجيوبوليتيكية وأبعادها وعواقب استخدامها وتقييمها كسلاح فى المنافسة الاقتصادية والجيوسياسية مع الدول الأخرى.
يمكن فى العلاقات التجارية بين الدول رصد الاتجاهات التالية التى تقدم صورة عن القوة الاقتصادية لكل بلد فى منظومة العلاقات الاقتصادية الدولية.
تركز (Concentration) العلاقات التجارية
فلدى بعض البلدان علاقات تجارية مركزة، أى متمحورة على عدد محدود من البلدان، وتراجع قدراتها التجارية لسبب من الأسباب ينعكس سلبا على هذا العدد المحدود من البلدان المتعاملة معها. من بين هذه البلدان بريطانيا والمكسيك والدنمارك وبعض بلدان جنوب شرق آسيا. بوسع هذه البلدان ممارسة ضغوط اقتصادية على شركائها التجاريين بالاستفادة من علاقتها هذه.
تسعى هذه الدول، وبنسب متفاوتة، إلى توظيف قدراتها الاقتصادية ومنافعها المستمدة منها فى تعزيز مواقعها الجيوسياسية ودورها فى الاقتصاد العالمى وفى السياسة الدولية.
من أجل تفادى الإملاءات أو إضعافها ينبغى فهم حجم القدرة الاقتصادية ومصادر هذه القدرة. وهنا يطرح التساؤل: كيف تقاس المقدرة على الإملاء، وكذلك الضعف إزاءها وكيفية مواجهتها؟ فى هذه الحال تسعى الدول الكبرى، أو الدولة التى ترى نفسها الدولة العظمى والقطب الأوحد فى العالم، إلى استخدام «عضلاتها» الاقتصادية ونفوذها السياسى وقدراتها العسكرية فى العديد من الأحيان، ولإملاء إرادتها على الدول الأخرى. وهذا ما نراه فى تصرفات الولايات المتحدة وسياساتها على الساحة الدولية اليوم.
استنادا إلى ما تقدم يطرح العديد من المحللين اليوم فرضية مفادها أن الحرب العالمية الثالثة قد بدأت، وأننا نعيش مرحلتها الأولى اليوم، وأن «لعنة» الجيوبوليتيك قدر لا يرد. ولسوف تتأكد صحة هذه الفرضية من عدمها فى المستقبل القريب. ويتلخص مغزى الحرب العالمية الثالثة فى التبدل الجذرى فى مجمل بنيان (هندسة) السياسة العالمية. فالمؤسسات الدولية القائمة اليوم لم تعد منذ زمن بعيد تتلاءم مع الواقع الراهن. فهى لا تزال تعمل وفقا لمنطق «أنموذج وستفاليا» والعالم الثنائى القطبية. وقد بنى هذا الأنموذج على الاعتراف بسيادة جميع الدول المعترف بها دوليا. علما أن منظمة الأمم المتحدة نفسها بنيت على هذا الأساس. ولكن فى الممارسة تحول مبدأ السيادة إلى نفاق بحت.
محمد دياب
مؤسسة الفكر العربى
النص الأصلى:
https://tinyurl.com/2mwcane4