الشرايين الرقمية
قضايا تكنولوجية
آخر تحديث:
الأربعاء 4 نوفمبر 2026 - 7:05 م
بتوقيت القاهرة
نشرت جريدة القبس الكويتية مقالًا للكاتب ضارى عادل الحويل، يوضح فيه أهمية حماية البنية التحتية للاتصالات وتقنية المعلومات باعتبارها شريان حياة أمنيًا وإنسانيًا وتنمويًا لا يقل أهمية عن حماية الأرواح، كما يؤكد الكاتب ضرورة وضع استمراريتها ضمن أولويات الأمن الوطنى والتخطيط الدولى.. نعرض من المقال ما يلى:
فى أوقات الطوارئ أو الخطر، قد تكون مكالمة هاتفية قصيرة هى الطريق إلى آليات الإطفاء وسيارات الإسعاف لإنقاذ مصاب، وقد تكون رسالة تحذير على الهواتف المحمولة سببًا فى نجاة أسرة. وحين ننظر إلى شبكات الاتصالات من هذه الزاوية، ندرك أن حمايتها جزء من حماية الإنسان نفسه، وأن تعطيلها قد يضاعف آثار أى نزاع مسلح على أناس عزّل لا يملكون قرار الحرب ولا وسائل إيقافها. وقد أعادت الاعتداءات الإيرانية الآثمة التى تعرضت لها الكويت ودول المنطقة هذا الواقع إلى واجهة الاهتمام الدولى، إذ تقدمت دول مجلس التعاون الخليجى والأردن بمشروع قرار أمام مجلس الاتحاد الدولى للاتصالات بشأن الهجمات على البنية المدنية للاتصالات وتقنية المعلومات، أثمر اعتماد القرار رقم 1436 بتوافق الآراء، بشأن آثار هذه الهجمات وانعكاساتها على الترابط الإقليمى والعالمى.
وبحكم عملنا، ندرك أهمية هذه المبادرة فى إظهار ما قد يغيب عن صور الدمار، فأبراج الاتصالات وما يتصل بها من كوابل برية أو بحرية، وما تربطه من مراكز بيانات وشبكات، تشكّل مجتمعة الشرايين، إن جاز التعبير، التى تتدفق عبرها البيانات والمعلومات، والتى تعتمد عليها المؤسسات العامة والمستشفيات والمصارف والمدارس وخدمات الطوارئ لاستمرار أعمالها، وقد يمتد أثر إصابة منشأة اتصالات واحدة إلى تعطّل خدمات فى مناطق بعيدة عنها، وتأخر الوصول إلى بيانات مريض أو تعذّر إتمام معاملة مالية أو انقطاع التواصل بين أسرة وأحد أفرادها فى لحظة حرجة.
وتزداد خطورة الأمر مع توسّع اعتمادنا على الخدمات الرقمية، إذ قد يتجاوز الضرر حدود الدولة بفعل ترابط الشبكات والخدمات عبر الحدود. ولعل التحدّى الأبرز هو أن الاستثمار فى حماية هذه البنية قد لا يلفت الأنظار أو يكون ضمن الأولويات فى الظروف الاعتيادية، فالمستخدم يرى سرعة الإنترنت وسهولة الوصول إلى الخدمة، لكنه لا يرى ما وراء استمرارها من استعدادات وبدائل. فكلما توسّعنا فى نقل معاملاتنا وخدماتنا إلى الفضاء الرقمى، ازدادت مسئوليتنا عن ضمان توافرها حين نحتاج إليها، ولهذا، وجب أن يكون الإنفاق على استمرارية الاتصالات ضمن أولويات التنمية والأمن الوطنى، وأن يُنظر إليه بوصفه حماية لما بنيناه من مكتسبات.
لا شك أن ما مررنا به يستحق أن يتحوّل إلى معرفة مؤسسية تبقى بعد انحسار الأزمة، من خلال توثيق التجارب، ومراجعة القرارات، والاستفادة مما نجح وما يحتاج إلى تحسين، فالجهوزية جهد متواصل، يتطلّب تحديث الخطط وتدريب الكوادر ومواكبة تغيّر المخاطر. ولا يفوتنا أن نؤكّد أهمية تعزيز حضورنا فى المحافل الدولية، وطرح أولوياتنا وقضايانا المشتركة، وتبادل الخبرات، والمشاركة الفاعلة فى صياغة السياسات والتوجهات العالمية بما يخدم أمن مجتمعاتنا واستقرارها.
يا كرام، إن كل درس نستوعبه اليوم يمنحنا فرصة أفضل لحماية الناس واستمرار مصالحهم غدًا، وحين تصبح المكالمة سبيلًا للنجاة، والرسالة وسيلة للاطمئنان، ندرك أن نبض الحياة فى مجتمعاتنا يمرّ أيضًا عبر الشرايين الرقمية.