أضرار نافعة ومنافع مخفية
محمود محي الدين
آخر تحديث:
الأربعاء 4 نوفمبر 2026 - 6:55 م
بتوقيت القاهرة
فعاليات أربع شاركت فيها خلال الأسابيع الماضية أستخلص منها أربع رسائل ذات دلالة عمّا أقصده بهذا العنوان:
الرسالة الأولى؛ كانت عن الاستثمار فى المستقبل، وترددت فى منتدى الاستثمار العالمى، الذى نظمته «أونكتاد» التابعة للأمم المتحدة واستضافته الدوحة بإعدادٍ متميز. فالاستثمار الأجنبى زاد حقا بمقدار 6 فى المائة رغم المعوقات؛ ولكن 80 فى المائة منه تستأثر بها 20 دولة فقط، والمشاريع المعلن عنها فى البلدان النامية انخفضت بأكثر من الربع مقارنةً بالعام الماضى بما فى ذلك مجالات البنية الأساسية، والصحة والغذاء، والاستثمار ينبغى له أن يرفع مستويات المعيشة وفرص العمل ويحافظ على الاستدامة، ويدعم السلم والأمن وإعادة البناء.
وهذا كله لا يسانده فى رأيى الوضع الراهن للترتيبات الدولية، ولا أقول النظام الدولى؛ فالنظام يحمل من المعانى والتوقعات ما لا يفى به ما هو سائد منذ نهاية الحرب العالمية الثانية من أوجه التحيز والتمييز وتباين تطبيق القواعد وانتقائية تنفيذ المعايير. استدعى هذا الدعوة إلى تبنى إطار عمل جديد، تم الإعلان عنه فى نهاية المنتدى، يتضمن حوكمة الاستثمار وربطه بالاستدامة وجودة الحياة، ويتعامل مع الذكاء الاصطناعى وصناعات المستقبل، والتمويل وأدوات تخفيف المخاطر، وتوفير البيانات، ومساندة رواد الأعمال خصوصا الشباب والنساء.
الرسالة الثانية؛ ما كان من نقاش فى ندوة فى القاهرة حول كتابين صدرا هذا العام عن دار نشر جامعة أكسفورد، عن الاقتصاد المصرى والاقتصاد المغربى. برز فيها التأكيد بأوجه مختلفة على نهاية ما يعرف بتوافق واشنطن الذى لخصه الاقتصادى جون ويليامسون فى عام 1989 فى عشرة بنود تتبناها مؤسستا «بريتون وودز» -البنك الدولى وصندوق النقد الدولى - من أهمها ما يتعلق بتحرير التجارة والاستثمار وسعر الصرف وتقييد الإنفاق العام، بما يستدعى اليوم البحث عن نموذج نمو جديد ببوصلة مرشدة واضحة الوجهات لإدارة الاقتصاد. هذا يمنح الحرية للبلدان المختلفة فى اختيار ما يناسبها. ويؤكد هذا ما ذهب إليه تقرير لجنة النمو الصادر فى عام 2008، الذى قاد أعماله الاقتصادى الحائز على نوبل فى الاقتصاد، مايك سبنس، من أن تجارب النمو الناجحة تشهد بأنه لا توجد وصفات جاهزة لتحقيق التنمية فتطبّقها كل دولة، ولكن هناك مكونات أساسية لا غنى عنها لأى دولة، من أهمها الاستثمار فى البشر، وتطوير البنية الأساسية، وإرساء الحوكمة، وتحقيق التراكم عبر الوقت.
الرسالة الثالثة؛ ظهرت فى جلسة أدرتها فى قمة قادة الأعمال، التى نظمتها الغرفة الإسلامية للتجارة والتنمية تزامنا مع الاجتماع الوزارى للجنة التعاون الاقتصادى والتجارى لمنظمة التعاون الإسلامى، عن أهمية «الإقليمية الجديدة» التى تدفع بالتجارة والاستثمار والتبادل المعرفى بين دول الجوار الجغرافى أو دول يجمعها توافق المبادئ والتوجهات رغم بعد المسافات بينها. وتتجلى أهمية «الإقليمية الجديدة» مع الصراعات الجيوسياسية والحروب المحتدمة واهتراء خيوط الإمداد، وتواتر واستمرار أزمات المناخ والطاقة والغذاء والديون. وهو ما دفع وزير تجارة الدولة المضيفة للقمة، البروفسور عمر بولات، إلى التأكيد أننا بحاجة إلى نموذج تعاونى جديد للصمود طويل الأمد، مضاد للصدمات والأزمات.
الرسالة الرابعة؛ من مؤتمر عُقد فى لندن الشهر الماضى عن التنمية فى إفريقيا نظَّمته صحيفة «الفاينانشال تايمز»؛ ذكرت فى جلسة فيه عن تمويل التنمية أن تراجع المساعدات الإنمائية يمكن اعتباره من المنافع والخيرات المخفية. شهدنا عامين من تراجع حاد للمساعدات والمنح الدولية بسبب إلغاء المعونة الأمريكية، وتخفيض المساعدات الأوروبية؛ إما لقيود من الموازنات العامة وعجزها، وإما لتقييد سياسى من الحكومات والمعارضة اليمينية، وإما للسببين معا. لا شك فى تضرر قصير المدى لبلدان نامية اعتمدت على هذا النوع من التمويل. ولكن هل يمكن إغفال ردود الأفعال، وأهمها مراجعة نهج تمويل التنمية بل نموذج النمو نفسه المحرك لها؟ فقد تحررت حكومات من تمويل سهل وميسَّر ظاهريا، ولكنه كبحَ الاجتهاد فى حشد التمويل محليا والاعتماد على الموارد الذاتية العامة والخاصة؛ كما وجه التمويل لمشاريع ليست ذات أولوية أصلا، وانحازت السياسات العامة لمستهدفات لا تلبى تطلعات عموم الناس، وربطَ جهات صنع القرار بخيوط معلقة بمصادر الهبات والمساعدات التى تتحرك بالضرورة وفقا لأولويات مانحيها، والتى قد لا تنسجم دائما مع ضرورات مستقبليها من الممنوحين، الذين استسهلوا طريق الهبات حتى استبانوا وعورة نهاياته. وللمنادين بين حين وآخر بمشروع مارشال جديد، على غرار ما استفادت منه أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية بدعم أمريكى؛ فليتذكروا أن هذا كان لإعادة الإعمار، وليس الإعمار فى الفراغ من البدايات، وكان لكيانات اشتركت مع المانح فى الثقافة والنهج والتوجه، بمؤسسات تعليمية وقضائية وإنتاجية ورقابية عطلتها الحرب ولم تُجتث جذورها، فعجَّل مشروع الجنرال مارشال باستئناف أعمالها. والأهم أن عهد مارشال بمقوماته وأوزانه وزعاماته قد ولّى، ونحن اليوم فى عالم سريع التغير بقواه الجديدة الصاعدة التى تنافس القوى التقليدية على الصدارة.
إذن فخلاصة الرسائل الأربع أن من تداعيات نهايات ما يسمى النظام العالمى ما يحمل مزايا الحرية والمرونة والبحث عن بدائل. فنحن بحاجة إلى إطار جديد للاستثمار والتجارة، وبحاجة من قبل هذا إلى نموذج جديد للنمو المطرد الشامل للجميع والمحقق لأهداف توطين التنمية، وبحاجة إلى تفعيل أسس التعاون من خلال «الإقليمية الجديدة» ذات النفع المتبادل والمتوازن لأطرافها. والأجدى من المنّ بمنافع المساعدات المشكوك فيها أصلا، أن تُدرأ مفاسد الاستغلال والتدفقات المالية غير المشروعة.
نقلا عن الشرق الأوسط