التعهد الأخير للمجلس الأعلى للقوات المسلحة

محمد المنشاوي
محمد المنشاوي

آخر تحديث: الأحد 4 ديسمبر 2011 - 9:20 ص بتوقيت القاهرة

تعهد أخير لم يقدمه بعد المجلس الأعلى للقوات المسلحة للشعب المصرى. تعهد يؤكد فيه بيان للمجلس الأعلى عدم ترشح أى من أعضائه، وعلى رأسهم رئيس المجلس المشير محمد حسنين طنطاوى، ونائبه الفريق سامى عنان، فى الانتخابات الرئاسية المقبلة سواء بصفته العسكرية، أو بصفته المدنية فى حال تخليه عن زيه العسكرى.

 

ويعد هذا التعهد الأخير الذى ترغب فى سماعه فئات مختلفة متشككة فى صدق نوايا المجلس الأعلى. البعض يشكك بسبب تمديد الفترة الانتقالية التى حددها المجلس بداية بسته أشهر تنتهى فى شهر سبتمبر الماضى. كذلك شكك البعض نتيجة تصريحات بعض أعضاء المجلس والتى ذكرت أن الانتخابات الرئاسة قد يتم أجراؤها فى منتصف عام 2013.

 

لقد قدم المجلس الأعلى للقوات المسلحة العديد من التعهدات منذ آلت إليه سلطة حكم مصر، عقب تنحى الرئيس السابق حسنى مبارك. إلا أنه ورغم إصدار المجلس عشرات البيانات المختلفة، إلا أن تلك البيانات لم تؤكد، حتى الآن، بما يقطع الشك عدم وجود مرشح رئاسى للمؤسسة العسكرية فى الانتخابات الرئاسية المقبلة.

 

وتابعت، كما تابع ملايين المصريين تأكيدات قادة وأعضاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة المتكررة بعدم وجود مرشح عسكرى للرئاسة. فلقد نفى المشير حسين طنطاوى يوم 5 أكتوبر، فى رده على سؤال لأحد الصحفيين حول ما يتردد عن احتمالات أن المؤسسة العسكرية سيكون لديها مرشح فى الانتخابات الرئاسية القادمة، وكان رد المشير بالنص «هذه شائعات لا ينبغى التوقف عندها ولا يجب استهلاك الوقت فى الحديث عن شائعات.. ولن نترك مصر إلا بعد تنفيذ ما تم التعهد به من قبل وتنفيذ التزاماتنا تجاه الشعب وليس للمجلس العسكرى مصلحة فى الاستمرار لفترة طويلة». 

 

وعاد السيد المشير فى خطابه إلى الشعب المصرى يوم 21 نوفمبر الماضى على التأكيد أن «القوات المسلحة لن تكون بديلا عن الشرعية التى ارتضاها الشعب.. لن نطمع فى اعتلاء كرسى الحكم ولم نسع إلى ذلك».

 

وهكذا، وبعد مرور ستين عاما على تولى مقاليد حكم مصر رئيس من المؤسسة العسكرية، لم يعد يفصلنا سوى 208 أيام على نقل رئاسة مصر لرئيس مدنى للمرة الأولى منذ عام 1952.

 

مثل رؤساء مصر الأربعة السابقين، محمد نجيب وجمال عبدالناصر وأنور السادات وحسنى مبارك، استمرارا لسيطرة المؤسسة العسكرية على قمة سلطة الحكم فى مصر، فى وقت تمتع فيه الرئيس خلال تلك الفترة بسلطات استثنائية لا تتشابه مع غيرها من النظم الرئاسية المتقدمة.

 

ومنذ تنحى الرئيس السابق حسنى مبارك، تقدمت مصر فى خطوات كبيرة تجاه تحقيق أهم أهداف ثورة 25 يناير والمتمثلة فى إقامة حياه ديمقراطية حقيقية فى مصر. ومثل إجراء انتخابات مجلس الشعب، والتى بدأت يوم الاثنين الماضى، أحد أهم خطوات بناء ديمقراطية حقيقية. وتعد هذه الانتخابات هى البداية الحقيقية لنهاية المرحلة الانتقالية التى تشهدها مصر منذ 11 فبراير.

 

ويعد تأكيد المشير طنطاوى فى خطابه الأخير على أن المجلس الأعلى ملتزم بالانتهاء من انتخاب رئيس الجمهورية قبل نهاية شهر يونيو القادم، خطوة مهمة فى سبيل نقل سلطة الحكم المؤقتة التى يمارسها المجلس إلى رئيس جديد منتخب لديه شرعية شعبية.

 

وتثبت خبرتنا التاريخية، أن مصر، دولة وشعبا، تزداد قوتها، وتتقدم، إذا ما نظمت علاقة الجيش بالعملية السياسية، بحيث يبقى الجيش بعيدا عن مباشرة الحكم.

 

 علاقة الجيش بالدولة فى مصر قديمة، منذ نشأة الدولة المصرية الحديثة، التى أسس لها محمد على باشا عام 1805، معتمدة على بناء جيش وطنى متطور صناعيا وتكنولوجيا بالمعايير العالمية حينذاك، إلا أن أهم ما ميز تلك الفترة الناصعة من تاريخ مصر، هو بقاء جيش مصر بعيدا عن دهاليز عمليات السياسة الملتوية.

 

ولم تتح الفرصة أمام جيشنا لكى يكون العمود الفقرى الحقيقى لقيام دولة مصرية حديثة منذ قيام الضباط الأحرار بحركتهم عام 1952. فقد سيطر الجيش على الحياة السياسية المصرية منذ ذلك الحين. ويعد خروج كل رؤساء مصر الأربعة، من تحت عباءة المؤسسة العسكرية خير دليل على هذه السيطرة.

 

فى الوقت نفسه لا يمكن لأحد أن ينكر ما وصل إليه حال مصر خلال العقود الستة الأخيرة من تردى لا نستحقه. وتعكس ذلك بوضوح معايير التنمية البشرية والتكنولوجية والعلمية الدولية المحايدة. ويظل بقاء أكثر من 20 مليون مصرى لا يعرفون القراءة والكتابة، والانحدار المستمر فى حال مستشفيات ومدارس وجامعات مصر، إضافة لانتشار الأمراض بين ملايين المصريين، وعدم القدرة على تنظيف شوارعنا ومدننا وقرانا، وفشلنا المخجل فى حل مشكلة المرور، ناهيك عن عدم القدرة على إطعام أنفسنا، وعدم تحقيق الأمن الغذائى، كدلائل واضحة لعدم القدرة على بناء دولة متقدمة وحديثة خلال تلك الفترة.

 

ولنا ألا ننسى أن ثورة 25 يناير كانت فى أصلها ثورة ضد نظام حكم عسكرى كان على رأسه اللواء محمد حسنى مبارك، القائد السابق للقوات الجوية. ولم يمنع ذلك المجلس الأعلى من الحصول على شرعية يراها البعض أنها تمثلت فى حمايته للثورة، وعدم إطلاق النار على المتظاهرين.

 

«الجيش والشعب أيد واحدة» كان أحد أهم شعارات ميادين مصر خلال أيام الثورة، وأصبح من الواضح أن ثورة 25 يناير قد التقت فيها مصلحة الشعب المصرى فى التأسيس لحكم ديمقراطى مدنى مع مصلحة الجيش فى عدم توريث حكم مصر. وقد جنبت جموع المتظاهرين الجيش المصرى الحرج الكبير الذى كان سيواجهه حال تنفيذ مخطط توريث حكم مصر لابن الرئيس جمال مبارك من خلال قنوات بدت دستورية وشرعية.

 

208 أيام باقية على حكم المجلس الأعلى، فمتى يبادر المجلس، ويصدر تعهده الأخير للشعب المصرى.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2024 ShoroukNews. All rights reserved