إلى هاوية الجنون الجماعى، وإلغاء العقل، يسوقنا جميعا الإعلام التليفزيونى فى بلاد العرب.
هل من تفسير آخر للاحتفاء المريض بتنفيذ السلطات السعودية لعقوبة الإعدام بحق 47 شخصا منذ أيام؟
هل من تفسير آخر للصمت المطبق على كون عقوبة الإعدام ألغيت فى عدد كبير من المجتمعات المعاصرة، ولتجاهل حقيقة أن ضمير البشرية قد استقر على رفضها كجريمة ضد الإنسانية تنتهك الحق المقدس فى الحياة؟
هل من تفسير آخر للمذهبية المقيتة التى طغت على تناول إعدام الشيخ نمر النمر الذى صنعت منه نشرات الأخبار، وتلك التى تسمى برامج حوارية، وحشا كاسرا ومتطرفا، متعصبا وإرهابيا، دمويا وخائنا لوطنه
هل من تفسير آخر لتورط إعلاميى القنوات التليفزيونية، التابعة للحكومات العربية أو المملوكة لنخب الثروة والمال المتحالفة معها فى الترويج لخطاب الكراهية وللمفردات المذهبية ؟
هل من تفسير آخر لتجاوز الإدانة – وهى واجبة ــ لأعمال العنف ضد الممثليات الدبلوماسية السعودية فى إيران باتجاه قرع طبول الحرب ضد إيران، دون تحسب لكون الصراع المفتوح مع إيران لن يصب أبدا لا فى مصلحة العرب ولا فى مصلحة إخراج الشرق الأوسط من أتون الأزمات الراهنة. ناهيك عن كونه ليس فى مصلحة الشعب الإيرانى أيضا، غير أن الأخير لا يهتم به أحد؟
هل من تفسير آخر للمفردات العسكرية التى وظفت للتهليل لقرار السعودية قطع العلاقات الدبلوماسية مع إيران، وقرارات دول عربية أخرى تخفيض مستويات تمثيلها الدبلوماسى فى طهران. مفردات كالحرب ضد المجوس، ومواجهة المد الفارسى، والوقوف فى وجه المؤامرات الصفوية التى لا نتيجة لها غير تعميم قراءة مشوهة للتاريخ تتجاهل حقائقه، وإذكاء النعرات الشوفينية بين الشعوب العربية وجوارها المباشر الذى تشغله إيران كما تشغله تركيا؟
هل من تفسير آخر لكون ما يصح تسميته «الحالة المزاجية لقادة الجيوش ولجنرالات الحروب» قد تلبست الكثيرين من إعلاميى القنوات التليفزيونية، فجعلتهم يطلقون من أمام الكاميرات تهديدات الإبادة والفناء باتجاه إيران، ويعينون لها الخطوط الحمراء، ويبتكرون خطط القضاء على نفوذها الإقليمى، ويسردون ساحات المواجهات القادمة مع «الفرس» ــ وكل ذلك طبعا بصيغة «تعرفى إيه عن سياسة الوفاق يا نفيسة» الشهيرة للعبقرى جورج سيدهم؟
هل من تفسير آخر للمذهبية والطائفية المقيتتين اللتين سيطرتا على تعليقات المستخدمين العرب لوسائل التواصل الاجتماعى بشأن قرار الاعدام، بل وعلى تعليقات قراء المواقع الصحفية والإخبارية الإلكترونية على القليل الذى كتب عربيا لإدانة تنفيذ عقوبة الإعدام؟.
هالنى تكرار أغلبية ساحقة من المعلقين العرب لذات المفردات المذهبية، وكأن وعينا الجمعى ليس به غير أوهام الصراع السني ــ الشيعى، وغرقهم فى خطاب الكراهية، وكأن حكام العرب على وشك إبادة مواطنى بلادهم من الشيعة فى هولوكوست قادم طال انتظاره، وتقمصهم هم أيضا لأدوار القادة العسكريين وجنرالات الحروب، وكأن جيوش زحف عربية فى سبيلها للانقضاض على إيران .
هى حقا هاوية جنون جماعى وإلغاء للعقل. المستفيد الأكبر منها هم حكام يمررون قمعهم ويلهون الناس عن الأزمات الحقيقية لمجتمعاتهم،والشعوب العربية هى الخاسر الأكبر من انجرار باتجاه هاوية ليس لها إلا أن ترتب المزيد من تقويض السلم الأهلى باصطناع الفتن المذهبية،وبنشر خطاب الكراهية، وتعمق من الصراعات بينها وبين الشعب الإيرانى، صاحب المكان الأصيل فى الشرق الأوسط، شأنه شأن العرب والأتراك والأكراد وغيرهم، وتمكن القوى الدولية من مواصلة استنزاف مواردنا (المزيد من صفقات السلاح فى الطريق بكل تأكيد)، ومن تشويه القليل المتبقى اليوم من التراث الطويل للتعايش والتسامح بين العرب وبين جوارهم.