غياب الشفافية له ثمن

فهمي هويدي
فهمي هويدي

آخر تحديث: الثلاثاء 5 مايو 2009 - 9:28 م بتوقيت القاهرة

 هل هناك علاقة بين التعبئة الحاصلة لتحذير الناس وتخويفهم من إنفلونزا الخنازير وبين تسويف الحكومة فى مسألة العلاوة الاجتماعية التى تصرف للموظفين كل عام؟

وأليس واردا أن يكون الهدف من الضجة المثارة بسبب حكاية الإنفلونزا هو التغطية على امتناع الحكومة عن صرف العلاوة؟ وألا يثير الانتباه أننا خرجنا من فرقعة خلية حزب الله، التى قيل لنا إنها زحفت إلى مصر لكى تقلب نظامها وتهدد أمنها القومى، لندخل بعد ذلك فى فرقعة إنفلونزا الخنازير التى يقال لنا إنها تهدد بإبادة نصف البشرية؟.

هذه الأسئلة ليست من عندى، لكنى تلقيتها وسمعتها من آخرين اتصلوا بى هاتفيا وبعثوا بملاحظاتهم عبر البريد الإلكترونى، بعدما كتبت يوم الاثنين الماضى داعيا الناس إلى الحذر فقط دون الفزع. ومن هؤلاء من استهل رسالته قائلا: حتى أنت صدقت الملعوب ووقعت فى الفخ؟!

صحيح أن البعض تحدث عن مؤامرة صهيونية أمريكية ضدنا فى العملية، وآخرين تحدثوا عن استخدام أمريكى للكارثة لصرف الانتباه عن الكارثة الأخرى التى حلت بالاقتصاد الأمريكى. لكن الأسئلة سابقة الذكر هى التى همتنى بالدرجة الأولى، لأنها تعبر عن أزمة الثقة فى قرارات الحكومة وسياساتها، التى دفعت كثيرين إلى الشك الدائم فى نواياها.

فى الموقف الذى نحن بصدده فإن الحكومة صادقة ومحقة والناس معذورون. ذلك أنه بأى تقييم موضوعى ومنصف فإنه لا علاقة بين أزمة إنفلونزا الخنازير وبين إحجام الحكومة عن صرف العلاوة الاجتماعية. والناس معذورون فى شكهم لأن تجارب طويلة ومريرة أقنعتهم بأن الحكومة كثيرا ما لا تصدق فيما تقول. بحيث لا يستبعد منها أن تعلن عن شىء لا وجود له، أو تتستر على شىء موجود فعلا. (بالمناسبة عبّر لى البعض عن شكهم فى أن تكون إنفلونزا الخنزير قد وصلت فعلا ولكن الحكومة لا تريد إعلان الحقيقة، حتى لا يؤثر ذلك على دخلها من السياحة).

من حق الناس أن يقولوا إن الحكومة إذا كانت قد ضحكت علينا كثيرا فى الماضى، فلماذا يتعين عليهم أن يصدقوها هذه المرة. ولا تزال الذاكرة تعى ما جرى فى العام المنقضى، حين أعلن رسميا عن رفع قيمة العلاوة إلى 50٪، ثم فوجئ الناس بأن القرار كان بمثابة «مخدر» أريد به تنويمهم قبل أن تداهمهم قرارات رفع الأسعار التى قصمت ظهورهم حين تحدثت عن الإصلاح السياسى ثم عدلت مواد الدستور لكى تضاعف من صلاحيات أجهزة الأمن وتضفى الشرعية على المحاكم العسكرية الاستثنائية.

وحين أعلنت عن إجراء انتخابات حرة ثم قامت بتزويرها، وحين رفعت الصوت عاليا دفاعا عن حقوق الإنسان ثم غضت الطرف عن التعذيب فى السجون والمعتقلات، وحين أعلنت عن الوقوف إلى جانب الفلسطينيين ثم اشتركت فى حصار قطاع غزة، وألقت القبض على الذين تظاهروا تضامنا مع الفلسطينيين أو أرادوا توصيل الغذاء والدواء إليهم.. إلخ.

حيثيات فقدان ثقة المجتمع فى موقف السلطة كثيرة، والوقائع التى تؤيد الشك فى التصريحات الرسمية تملأ الذاكرة، الأمر الذى ينبهنا إلى خطورة استمرار أزمة الشفافية، التى نحن أحوج ما نكون إليها فى كل وقت، وفى الوقت الراهن بوجه أخص. وها قد رأينا أن الحكومة حين صدقت فى إحدى الأزمات النادرة، فإن البعض لم يكن مستعدا للوثوق فيما تقول.

ليس هناك حل عاجل لهذه المشكلة، لأن الحل الحقيقى لا يتأتى إلا فى ظل ديمقراطية لا تدليس فيها ولا تزوير، تأتى بحكومة تحاسب إذا كذبت أو أخطأت وتكافأ إذا أحسنت. أدرى أن ذلك أمر صعب فى أوضاعنا الراهنة، لكن ثقة الناس لن تكتسب إلا من هذا الباب.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2022 ShoroukNews. All rights reserved