يا طالَ عمرُك يا رياض

أسامة غريب
أسامة غريب

آخر تحديث: الجمعة 5 يونيو 2026 - 7:25 م بتوقيت القاهرة

عندما حاز الفنان رياض السنباطى عام 1977 جائزة اليونسكو كأحسن موسيقى فى العالم فإن معهد الموسيقى العربية أقام له احتفالية بديعة شدا فيها الشاعر الكبير مرسى جميل عزيز بقصيدة نفخ فيها من روحه فى محبة عظيم النغم العربى، وكان مما قاله:


يا قامةَ العملاقِ ما شئتِ امدُدى .. أفياءك الخضراء باللحن الندي
نشرب على ذكر الأحبة ما يشاء.. لنا الهوى من فرط ليلٍ أغيَدِ
هذى رياضك يا رياضُ نواهلٌ.. من ساقيات النيل أكرم موردِ
ومن العيون السودِ والسحر الذى.. فى غير مصرٍ مثله لم يولدِ
ومن المواويل الحيارى الساهرات.. على شفاه الناى تحلم بالغد
والمشربيات التى من خلفها.. كم ستُ حسن فى اشتهاء الموعدِ
ومن الموالد وابتهالات السكارى الواصلين حصدت ما لم يُحصدِ
رامى وأنت وأم كلثومٍ.. لأقسمُ أنْ ثلاثتكم قبابُ المسجدِ
تتعانقون فيحضن السهر العيون.. وترقص الأحلام فى راحِ اليدِ
أنزل بيانك درةً ياقوتةً.. عذراء غير الطهر لم تتوسد
فيها أصالة جدتى وشباب بنتى.. غيرُ مندفعٍ ولا متجمدِ
أما دعاة الزيف ضلّ دليلهم.. لا فرق بين مجددٍ ومبددِ
يا طال عمرُك يا رياضُ فحولنا.. أضغاث ألحانٍ تروح وتغتدي
وكأنما الهكسوس رغم هلاكهم.. بُعثت جحافلهم تجور وتعتدي
هذا غناءٌ أسودٌ أيامنا.. بك تستجيرُ من الغناء الأسودِ


برهن مرسى جميل عزيز على أصالته ومحبته لراهب النغم وكذلك مقدرته فى شعر الفصحى، واستحق السنباطى التكريم، ومع ذلك فكل تكريمٍ هو دون قيمته بكثير. بخلاف معظم أهل المغنى والطرب فإن رياض السنباطى عاش لفنه ولأسرته فقط فلم يعرف عنه الشطط وحياة الليل والانغماس فى مغامرات عاطفية تلوكها الصحافة وتعيش عليها.


لم تجد الصحف والمجلات ما تكتبه عن رياض السنباطى سوى أعماله وفنه، أما أخباره الشخصية فلم تتطرق إليها لأنه لم تكن له أخبار شخصية مما يصلح للنشر.


هذا رجل يجلس فى بيته مع زوجته وأبنائه وعوده وموسيقاه وألحانه ولا يغادر البيت إلا للذهاب إلى منزل أم كلثوم لتحفيظها لحنًا أو لاختيار كلمات جديدة، أما سهرات الأنس والمزاج والفرفشة فكان لا يقربها لأن من شأنها أن تعطله عن مشروعه الذى نذر له حياته..وكان حب السنباطى للشعر العربى الفصيح لا يعادله حب، وقد درج على البحث عن الشعر الحلو ليلحنه ويضعه فى قالب موسيقى جميل، وظل محافظًا على هذه الهواية حتى آخر أيامه.


ولقد تعجب البعض عندما قام بتلحين قصيدة أراك عصى الدمع لأبى فراس الحمدانى رغم أن نفس القصيدة لحنها وغناها عبده الحامولى وصالح عبد الحى وعبد الحى حلمى ثم تولاها الشيخ أبو العلا محمد وغنتها أم كلثوم له فى سنواتها الأولى، وحتى زكريا أحمد لحنها هو الآخر. ثم جاء السنباطى وقدم نفس القصيدة بنغماته الآسرة عام 1964 وابتلع بعصاه كل الثعابين ولم يعد أحد يسمع القصيدة إلا بلحنه هو مع صوت أم كلثوم.


ويمكن القول إن السنباطى كان صاحب الفضل على الكثير من الشعراء الذين لم يكن أحد ليسمع بأسمائهم لولا أنه لحن بعض أشعارهم، وعندنا إبراهيم ناجى مثلًا لم يكن معروفًا على مستوى العامة، وحتى بالنسبة لقراء الشعر فإنهم بعد ماكتبه طه حسين عنه فى «حديث الأربعاء» أصبحوا ينظرون إليه باستخفاف، ثم جاء رياض السنباطى ولحن قصيدة الأطلال فكتب لإبراهيم ناجى الذيوع وجعل ربات البيوت يحفظن اسمه.


ثم لحن له قصيدة مصر التى مطلعها: أجل إنّ ذا يومٌ لمن يفتدى مصرا، وقد غنتها أم كلثوم أيضًا. بعد ذلك لحن من أشعاره قصيدة "انتظار" غناء سعاد محمد التى استقبلها الناس بمحبة لم تقترن بالدهشة بعد أن كانوا قد تعرفوا على ناجى بالفعل.


قدم السنباطى أيضًا شاعرًا لم يكن أحد يعرفه فجعل اسمه على كل لسان وهو الشاعر "إبراهيم عبد الحميد عيسى" عندما لحن لوردة قصيدته: لا تقل لى ضاع حبى من يدى.. وكان السنباطى قد قرأ القصيدة منشورة فى جريدة الأهرام. بعد ذلك لحن قصيدة أخرى له هى «من أنا» التى غنتها عزيزة جلال.

 


لم يقف حب السنباطى للشعر عند حد وقد قاده هذا الشغف لقصيدة جميلة كتبها فاروق شوشة هى: من سحر عينيك الأمان، فلحنها وقدمها لنجاح سلام فساهم فى معرفة الناس بفاروق شوشة كشاعر بعد أن عرفوه مذيعًا مجيدًا.
ساهم السنباطى أيضًا فى تعريف الناس بالشاعر مصطفى عبدالرحمن عندما لحن له قصيدة أشواق التى غناها بنفسه ثم غنتها بعد ذلك ميادة الحناوى، ولحن أيضًا لنفس الشاعر القصيدة البديعة: "والتقينا" التى غنتها عزيزة جلال. حتى الشاعر الباكستانى محمد إقبال أصبح معروفًا فى العالم العربى لأن السنباطى لحن له «حديث الروح».


ولا يجوز أن ننسى الشاعر أحمد فتحى صاحب الأشعار العذبة الرقيقة والذى لم يكن أحد من الجمهور يعرفه قبل أن يتلقف السنباطى قصيدته «قصة الأمس»، ويصوغها لحنيًا ويقدمها لأم كلثوم فكانت خير مكافأة لشاعر جميل لم ينل حظًا من الذيوع إلا بعد أن عانق شعره موسيقى السنباطى.


لن أتحدث عن تلحينه لشعر شوقى وحافظ أو رامى، لأن شوقى وحافظ كانا معروفين بصرف النظر عن تلحين قصائدهما، ورامى كان يلحن له السنباطى وغيره، لكنى أتحدث عن الشعراء الذين لم يكن أحد ليسمع بهم لولا أن لحن لهم السنباطى العظيم فصاروا من المشاهير.


رحم الله السنباطى الموسيقار القدير، ورحم مرسى جميل عزيز الذى لم يكن يكتب الشعر لإرضاء حاكم أو وجيه، لكن قريحته كانت تجود للنبلاء الذين يشبهونه.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved