«برشامة» حزب النور!
خالد سيد أحمد
آخر تحديث:
الجمعة 5 يونيو 2026 - 7:20 م
بتوقيت القاهرة
يعترى العلاقة بين التيارات الدينية المختلفة والفن قدر كبير من الجدل والتشكيك والتوتر والخلاف الدائم، الذى غالبا ما يطل برأسه كلما خرج إلى النور أى عمل فنى جديد، ترى فيه تلك التيارات ما يسىء إلى المقدسات والثوابت، أو يمس ويخدش «رونق الحياء» فى المجتمع.
جوهر هذا الصراع القديم المتجدد ينبع فى الأساس من اختلاف الرؤية حول مفهوم حرية الإبداع وحدودها وضوابطها، إذ تعتقد التيارات الدينية أنها مكلفة بحماية المجتمع من الانفلات والحفاظ على أخلاقه وثوابته، ومواجهة أى عمل فنى قد يشكّل - من وجهة نظرها - خطرا على المنظومة القيمية، أو يتجاوز ويتخطى
الـ«مانيفستو» الخاص بها لمقاييس ومعايير الفن الهادف الذى يستهدف نشر الفضيلة والأخلاق الحميدة.
أما صناع الفن فيؤمنون بأن حرية الإبداع لا يمكن تقييدها أو وضع ضوابط تحد من حركتها فى تناول كافة القضايا والمشكلات والظواهر السلبية، وأن الفن كرسالة إبداع إنسانية لن تحقق غايتها فى كشف المستور أو المسكوت عنه فى الواقع، سوى بالتمرد على القوالب المعلبة الجاهزة، وكسر التابوهات والمحظورات والخطوط الحمراء الموجودة فى المجتمع.
فجوة عميقة بالفعل يصعب تجسيرها بين الطرفين، وجدل قد يتوارى فترة عن صدارة المشهد، إلا أنه ما يلبث أن يعود سريعا بكل عنفوانه وقوته وحدته ليطفو على السطح، مثلما حدث مؤخرا، إثر الهجوم الكاسح الذى شنه حزب النور السلفى على فيلم «برشامة» واتهامه الصريح للعمل بأنه «يعد نموذجا صارخا لتجريف وعى الشباب وهدم الهوية الإسلامية».
الحزب طالب فى البيان العاجل الذى تقدم به رئيس هيئته البرلمانية إلى رئيس مجلس النواب، بوقفة حازمة ضد ما أسماها «الظواهر الدخيلة والجرأة الآثمة على المقدسات والثوابت الشرعية فى الأعمال الفنية»، معددا ما قال إنها تجاوزات فى الفيلم منها «زج اسمى الإمامين أبى حنيفة وأحمد بن حنبل فى إيفيهات لتمرير مغالطات شرعية وتسطيح مكانة الفقه».
لا أحد يستطيع بالتأكيد الحجر على موقف ورؤية حزب النور للفيلم.. فمن حقه التعبير عن رأيه بكل حرية وشفافية وبلا قيود، لكن فى الوقت ذاته، يحق للآخرين مناقشة وتفنيد ما يتضمنه من مغالطات، أبرزها أن الدين الإسلامى العظيم الذى نزل منذ أكثر من ١٤٠٠ عام وانتشر فى كافة بقاع الأرض، وسيستمر فى انتشاره وحضوره وقوته ووهجه إلى يوم الدين، ليس دينا ضعيفا لينال منه عمل سينمائى، كما أنه لم يمنح البعض حق استخدامه «فزاعة» ضد المخالفين لهم.
من قال إن ذكر اسمى أبى حنيفة وأحمد بن حنبل فى الفيلم يمثل إساءة للدين الإسلامى؟.. ألا يدرك حزب النور أنهما بشر وأن آرائهما وأقوالهما ليست مقدسة وإنما هى حالة اجتهاد بشرى يمكن أن تصيب أو تخطئ، وأن «كل يؤخذ منه ويرد إلا صاحب هذا القبر» كما قال الإمام مالك فى إشارة إلى رسولنا الكريم.
كذلك من قال إن هذا العمل يسىء للدين الإسلامى؟.. فالفيلم يتناول ما يحدث داخل إحدى لجان امتحانات الثانوية العامة لنظام المنازل، ويعالج فى الأساس مشكلة يعانى منها المجتمع خلال السنوات الأخيرة، وهى ظاهرة الغش الجماعى، التى تبذل الدولة جهودا كبيرة لمحاصرتها نظرًا لمساسها بمبدأ تكافؤ الفرص بين الطلاب، مثلما كان يحدث فيما يُعرف إعلاميا بـ«لجان أولاد الأكابر» فى بعض مدن الصعيد.
الفيلم يلقى الضوء على انهيار المنظومة القيمية لدى قطاعات مختلفة من المواطنين، الذين يريدون الغش بأية طريقة كانت لتحقيق مكاسب ومصالح شخصية بحتة، كما أنه يعالج بشكل ساخرا ظاهرة التدين الشكلى، التى تدفع البعض إلى التمسك بالقشور الظاهرية للدين دون الالتزام بجوهره الحقيقى، الذى يحض على مكارم الأخلاق والفضيلة.
الفيلم يطرح إسقاطات عديدة على ظواهر سلبية كثيرة فى المجتمع، منها ضعف الرقابة على الفساد، واستغلال النفوذ لتوريث المناصب، ولم يستهدف بالتأكيد «هدم الهوية الإسلامية»، كما ادعى حزب النور فى بيانه الذى يشبه إلى حد كبير اسم الفيلم، حيث يخدع البعض بورقة الدفاع عن الدين لفرض نوع من الوصاية على الفكر والإبداع.
أخيرا.. من حق صناع السينما إطلاق العنان لخيالهم، حتى يقدموا لنا منتجا إبداعيا راقيا، طالما كان هدفهم فضح الممارسات الفردية الخاطئة وليس الإساءة للمقدسات، ولا يجوز الحجر بأى طريقة كانت على أفكارهم ورؤيتهم الفنية، أو وضع ضوابط وخطوط حمراء مغلفة بحجج دينية وأخلاقية وسياسية، تجعلهم يلتفتون يمينا ويسارا قبل تناول أى موضوع أو قضية مثيرة للجدل.