تجديد دماء الحياد الإيجابى كاستراتيجية للجنوب العالمى.. إرث مصر ودورها اليوم
عمرو حمزاوي
آخر تحديث:
الجمعة 5 يونيو 2026 - 7:20 م
بتوقيت القاهرة
يشهد العالم اليوم لحظة فارقة تتجاوز فى دلالاتها مجرد التنافس التقليدى بين القوى الكبرى أو إعادة توزيع النفوذ فى النظام الدولى. ما نشهده بالفعل هو تصدع متزايد فى القواعد التى حكمت العلاقات الدولية لعقود طويلة، وتراجع فى قدرة المؤسسات متعددة الأطراف على إدارة الأزمات والصراعات، وتآكل فى التوافقات السياسية والاقتصادية التى شكلت أساس الاستقرار النسبى منذ نهاية الحرب العالمية الثانية ثم منذ انتهاء الحرب الباردة. وفى قلب هذه التحولات تقف الولايات المتحدة وروسيا والصين، كل منها بطريقتها الخاصة، بوصفها فاعلا رئيسيا فى إعادة تشكيل النظام الدولى، ولكن أيضا بوصفها مصدرا للاضطراب وعدم اليقين.
ففى الولايات المتحدة لم تعد السياسة الخارجية تعكس ذلك القدر من الاستمرارية الذى ميزها تاريخيا. ولم يعد الحلفاء التقليديون فى أوروبا وآسيا وغيرهما قادرين على التعامل مع واشنطن باعتبارها شريكا يمكن التنبؤ بخياراته والتزاماته. لقد أدت النزعات القومية والشعبوية التى برزت بقوة خلال العقد الأخير، وبلغت ذروتها مع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، إلى تقويض كثير من المرتكزات التى استند إليها النفوذ الأمريكى العالمى. ولم تعد التحالفات التقليدية أو المؤسسات متعددة الأطراف تتمتع بالمكانة نفسها فى التفكير الاستراتيجى الأمريكى. بل إن الخطاب السائد بات يركز على تقليص الأعباء الخارجية، وإعادة تعريف الالتزامات الدولية وفق معايير الربح والخسارة المباشرة، الأمر الذى أثار قلق الحلفاء وشجع المنافسين على اختبار حدود القوة الأمريكية.
وفى المقابل، تواصل روسيا انتهاج سياسات تستند إلى توظيف القوة العسكرية والخشنة لتحقيق أهدافها الجيوسياسية. فالحرب الأوكرانية لم تكن مجرد نزاع إقليمى محدود، بل مثلت تحديا مباشرا لفكرة الأمن الأوروبى وللقواعد التى تأسست عليها العلاقات بين الدول الأوروبية بعد نهاية الحرب الباردة. كما كشفت عن محدودية قدرة المؤسسات الدولية على منع الحروب أو احتوائها، وأعادت إلى المشهد الدولى مفردات النفوذ ومناطق السيطرة وتوازنات القوة العسكرية. والنتيجة هى أوروبا أقل استقرارا، ونظام دولى أكثر هشاشة، ومخاطر متزايدة لامتداد الصراعات إلى ساحات جديدة.
أما الصين، فإنها تواصل صعودها العالمى عبر أدوات مختلفة وأكثر تعقيدا. فبكين لا تعتمد على القوة العسكرية وحدها، وإن كانت تطور قدراتها الدفاعية بصورة متسارعة، وإنما تستند بالأساس إلى الاقتصاد والتجارة والاستثمار والتكنولوجيا. ومن خلال ضخ الموارد المالية فى مختلف القارات، وبناء شبكات واسعة من الشراكات الاقتصادية والبنية التحتية، تعمل الصين على إعادة تشكيل موازين النفوذ العالمى بصورة تدريجية ولكنها عميقة الأثر. كما أنها تسعى إلى بناء أطر تعاون وتحالفات وشبكات مؤسساتية جديدة تمنحها قدرة أكبر على التأثير فى الاقتصاد والسياسة الدوليين.
وفى الوقت نفسه، تتعرض منظومة التحالفات التى قادتها الولايات المتحدة منذ عقود إلى ضغوط غير مسبوقة. فسياسات ترامب القائمة على التشكيك فى قيمة التحالفات التقليدية، وعلى مطالبة الحلفاء بتحمل أعباء أكبر، وعلى النظر إلى العلاقات الدولية من منظور المعاملات المباشرة، أضعفت الثقة فى استمرارية الالتزام الأمريكي. وبينما تعمل الصين على توسيع شبكاتها الاقتصادية والسياسية، وتواصل روسيا تحدى الترتيبات الأمنية الأوروبية، تبدو الولايات المتحدة أقل استعدادا لتحمل أدوار القيادة التقليدية التى مارستها لعقود طويلة.
• • •
غير أن قراءة هذه التحولات من زاوية تنافس القوى الكبرى وحدها تظل قراءة ناقصة. فإلى جانب هذه القوى توجد مجموعة واسعة من الدول التى لا تمتلك القدرات العسكرية أو الاقتصادية للقوى العظمى، لكنها فى الوقت ذاته لم تعد دولا هامشية أو مجرد ساحات للتنافس الدولى. إنها القوى الوسيطة فى آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية والشرق الأوسط، وهى الدول التى باتت تمتلك وزنا سياسيا واقتصاديا متزايدا، وقدرة أكبر على المناورة وصياغة السياسات المستقلة.
ومن هنا تبرز أهمية إعادة إحياء أفكار عدم الانحياز والحياد الإيجابى. وليس المقصود بذلك العودة إلى صيغ الحرب الباردة أو استدعاء الماضى على نحو رومانسى. فالعالم الذى أنتج حركة عدم الانحياز فى خمسينيات وستينيات القرن الماضى لم يعد قائما، كما أن طبيعة العلاقات الدولية تغيرت جذريا. غير أن المبادئ الجوهرية التى قامت عليها تلك الحركة لا تزال تحتفظ بقيمتها وأهميتها. فقد كان جوهر عدم الانحياز هو استقلال القرار الوطنى، ورفض الخضوع لاستقطاب القوى الكبرى، والدفاع عن حق الدول النامية فى اختيار سياساتها وفق مصالحها الوطنية وليس وفق إملاءات الخارج.
واليوم تكتسب هذه المبادئ أهمية مضاعفة. فالقوى الوسيطة ليست مطالبة بالاصطفاف خلف الولايات المتحدة فى مواجهتها مع الصين، ولا بالانضمام إلى الرؤية الصينية للعالم، ولا بتبنى السياسات الروسية أو معاداتها بصورة تلقائية. بل إن مصلحتها الحقيقية تكمن فى الحفاظ على استقلاليتها الاستراتيجية، وفى بناء علاقات متوازنة ومتعددة مع مختلف الأطراف الدولية، وفى توظيف التنافس بين القوى الكبرى لخدمة أهدافها التنموية والاقتصادية والسياسية.
إن الحياد الإيجابى فى القرن الحادى والعشرين لا يعنى الوقوف على الهامش أو الامتناع عن اتخاذ المواقف، بل يعنى الانخراط النشط فى الشئون الدولية دفاعا عن الاستقرار والتعاون المتعدد الأطراف وسيادة القانون الدولى. ويعنى أيضا العمل على إصلاح المؤسسات الدولية بحيث تصبح أكثر تمثيلا للتوازنات العالمية الراهنة وأكثر قدرة على الاستجابة لتحديات التنمية والفقر والتغير المناخى والأمن الغذائى وأزمات الطاقة.
كما أن إحياء أفكار عدم الانحياز يمنح دول الجنوب العالمى فرصة تاريخية لإعادة بناء دورها الجماعى. فهذه الدول تمثل غالبية سكان العالم، وتضم اقتصادات صاعدة وأسواقا ضخمة وموارد طبيعية هائلة. وإذا نجحت فى تنسيق مواقفها وتعزيز تعاونها، فإنها تستطيع أن تتحول من موضوع للتنافس بين القوى الكبرى إلى فاعل مؤثر فى صياغة مستقبل النظام الدولى.
• • •
وفى هذا السياق، تبدو مصر مؤهلة للقيام بدور خاص ومؤثر. فإلى جانب ثقلها العربى والإفريقى والمتوسطى، تمتلك مصر رصيدا تاريخيا وسياسيا يرتبط مباشرة بتأسيس حركة عدم الانحياز. فقد كان جمال عبد الناصر أحد أبرز القادة الذين سعوا إلى منح الدول المستقلة حديثا مساحة للسيادة الوطنية والحركة بعيدا عن استقطابات الحرب الباردة. ولم يكن ذلك المشروع مجرد محاولة للابتعاد عن المعسكرين المتنافسين، بل كان مشروعا سياسيا وأخلاقيا هدف إلى تمكين دول الجنوب من الدفاع عن مصالحها المشتركة والمساهمة فى بناء نظام دولى أكثر عدالة.
واليوم تستطيع مصر أن تستلهم هذا الإرث التاريخى وأن تعيد صياغته بما يتناسب مع معطيات العصر. فهى ترتبط بعلاقات استراتيجية مع الولايات المتحدة وأوروبا، وتطور فى الوقت ذاته شراكات مهمة مع الصين وروسيا، وتحافظ على حضور مؤثر فى دوائرها العربية والإفريقية والمتوسطية. وهذه الشبكة المتنوعة من العلاقات تمنحها القدرة على لعب دور الجسر بين الأطراف المختلفة، وعلى الإسهام فى بلورة رؤية جديدة لدور القوى الوسيطة والجنوب العالمى.
إن العالم لا يحتاج اليوم إلى استقطابات جديدة أو إلى إعادة إنتاج صراعات المحاور، بل يحتاج إلى أصوات تدافع عن التعاون والحلول السلمية واحترام القانون الدولى والعمل متعدد الأطراف. ويحتاج كذلك إلى قوى وسيطة قادرة على الحد من اندفاع القوى الكبرى نحو المواجهة والصراع، وعلى بناء مساحات للتوافق والحوار فى نظام دولى يتجه نحو مزيد من التعددية.
ومن ثمّ فإن إعادة إحياء عدم الانحياز والحياد الإيجابى ليست مجرد استعادة لتجربة تاريخية ناجحة، وإنما هى استجابة ضرورية لتحولات عالمية عميقة. إنها دعوة إلى تمكين الجنوب العالمى من أن يصبح شريكا فى صياغة المستقبل لا مجرد متلقٍ لنتائج صراعات الآخرين. وهى أيضا فرصة لمصر كى تستعيد دورا فكريا وسياسيا ملهمًا، مستندة إلى تاريخها وإلى موقعها وإلى قدرتها على الجمع بين الاستقلالية والانفتاح، وبين الدفاع عن المصالح الوطنية والمساهمة فى بناء نظام دولى أكثر توازنا وعدالة واستقرارا.