الحرب وراء نهر الليطانى.. حسابات الميدان وصراع الممرات

معتمر أمين
معتمر أمين

آخر تحديث: الجمعة 5 يونيو 2026 - 7:20 م بتوقيت القاهرة

بين دوىّ الانفجارات فى ضواحى بيروت وهدير الدبابات التى تعبر ضفاف نهر الليطانى، يعيش لبنان اليوم واحدًا من أعقد فصول تاريخه المعاصر وأكثرها مصيرية. فالحرب الحالية ليست جولة قتال تقليدية بين فصيل مسلح وجيش نظامى، بل هى ساحة تكسير عظام إقليمية ودولية تُعاد فيها صياغة خرائط النفوذ ورسم معادلات السيطرة على الموارد والحدود والممرات الاستراتيجية.


وفى خضم هذا المشهد، ينقسم المحللون بين قراءتين متناقضتين للواقع؛ قراءة أولى شديدة القتامة ترى فى المشهد انكسارًا استراتيجيًا للبنان وضياعًا لسيادته وموارده لصالح قضم إسرائيلى ممنهج، وقراءة ثانية ترى تحت الرماد بذور تحول استراتيجى مغاير قد يقلب الطاولة فى المدى المتوسط بفعل استنزاف الاحتلال وصمود الميدان. وبين هاتين المقاربتين نبدأ التحليل.


• • •
فى القراءة الأولى للمشهد، تبدو الصورة شديدة القتامة؛ إذ تشير الوقائع الميدانية إلى أن إسرائيل تمكنت فى عام 2026 من تحقيق أهداف استراتيجية وأطماع تاريخية ظلت تراود مخيلة قادتها منذ المؤتمر الصهيونى الأول عام 1897، ثم رافقت مراحل نشأة إسرائيل وتطور مشروعها السياسى والأمنى تحت قيادة ديفيد بن جوريون ومن جاء بعده.


إن تمكن الدبابات الإسرائيلية من عبور نهر الليطانى والسيطرة على قلعة الشقيف التاريخية يمثل تحولًا جغرافيًا وعسكريًا بالغ الخطورة؛ فهذه القلعة التى ترتفع قرابة 700 متر فوق سطح البحر تحولت اليوم إلى برج مراقبة طبيعى يكشف جنوب لبنان بأكمله ويحرم المقاومة من إحدى أهم مزاياها الاستخباراتية.


كما يعيد هذا المشهد إلى الأذهان غزو عام 1982، حين حشدت إسرائيل تحت قيادة مناحم بيجن قوات عسكرية ضخمة، وبرز خلال تلك الحرب عجز الجنرال أرييل شارون وقواته المدرعة عن اقتحام هذه القلعة طيلة أربعة أيام كاملة، رغم تفوقهم العددى والتسليحى، أمام صمود ثلاثين مقاتلًا فلسطينيًا فقط حتى نفاد ذخيرتهم بالكامل.


الأخطر من ذلك هو البعد المائى والجيوسياسى للصراع. فإسرائيل، التى تعتمد بنسبة تناهز 80% من احتياجات مياه الشرب لديها على تحلية مياه البحر، تبدو وكأنها نفذت خطتها المؤجلة للسيطرة على نهر الليطانى الذى ينبع من منطقة بعلبك ويصب فى البحر المتوسط. ولم تكتفِ بالليطانى، بل بسطت سيطرتها على نهر الوزانى واستولت على اثنتى عشرة قرية لبنانية، لتقوم بتحويل مجارى المياه عبر شبكة أنابيب جاهزة نحو المستوطنات الإسرائيلية. وما يضاعف من قتامة هذه الصورة هو المشهد التفاوضى؛ إذ يتبين، وفق هذا الطرح، أن إعلانات وقف إطلاق النار والتسريبات المتعلقة بالتهديد باجتياح الضاحية الجنوبية لبيروت لم تكن سوى مناورات سياسية لفرض شروط «اليوم التالى»، وحصر التفاوض فى مصير الضاحية دون الاقتراب من الخط الأصفر الذى رسمته إسرائيل. وفى المقابل، يظل الاحتلال مستقرًا فى الجنوب ومستحوذًا على مصادر المياه دون أى حديث جدى عن انسحابه.


وفى ظل خسارة إسرائيل أكثر من 1200 جندى خلال مغامرة عام 1982، يبدو مشهد عام 2026 مختلفًا فى نظر أصحاب هذه القراءة، نتيجة تراجع قوة الردع لدى حزب الله بعد سلسلة من الاختراقات الأمنية، لا سيما عملية «البيجر»، وما تبعها من اغتيال حسن نصر الله، فضلًا عن افتقار الجيش اللبنانى للقدرة على خوض مواجهة مباشرة ضد الاحتلال أو حتى نزع سلاح حزب الله.


وبذلك يصبح لبنان، كدولة ومؤسسات، خارج الحسابات الحقيقية للصراع، ويتحول إلى ساحة مفتوحة لتمرير خطة نتنياهو الخمسية، المقسمة بين إدارة الحرب، وفصل لبنان عن محيطه الإقليمى، وكسب الوقت، وتحويل الأراضى اللبنانية إلى ورقة ضغط تُستخدم فى معركة إخضاع البرنامج النووى الإيرانى. وتصل هذه الخطة، بحسب هذا التصور، إلى هدفها الأبعد والأكثر أهمية، والمتمثل فى مد جسر برى يبدأ من إسرائيل مرورًا بلبنان ثم سوريا، وصولًا إلى تركيا وأوروبا، بما يعيد رسم خريطة التجارة والنقل فى شرق المتوسط.


• • •
فى المقابل، تبرز القراءة الثانية للمشهد لتطرح منظورًا مغايرًا تمامًا، يرى فى التطورات الراهنة مخاضًا لنقطة تحول استراتيجية قد تقلب الموازين لصالح لبنان على المدى المتوسط، لا سيما مع ظهور بوادر أزمة تسليحية خانقة تضرب معسكر الاحتلال.
فرغم الخسائر الجغرافية الظاهرة، تحول الميدان إلى مستنقع استنزاف يومى؛ حيث بات المكوث الإسرائيلى فى المرتفعات، مثل قلعة الشقيف، مكلفًا للغاية ومكشوفًا أمام الطائرات المسيّرة. وقد أجبر ذلك قوات الاحتلال على إخلاء بعض المواقع المرتفعة والنزول ليلًا نحو القرى المجاورة بحثًا عن الحماية، لتقع فى كمائن منظمة تنفذها المقاومة وتكبدها خسائر متصاعدة.


ويتعزز هذا المأزق العسكرى الإسرائيلى، بحسب أنصار هذه القراءة، بصمود دفاعى يعتمد على ما يمكن تسميته بالتوزيع الفسيفسائى اللامركزى لمنصات الصواريخ والقواعد القتالية فى الجبال والوديان، إلى جانب الاستعمال المكثف للمسيّرة الانتحارية المزودة بأنظمة تصوير حرارى للعمل الليلى.


وقد فرضت هذه الأدوات نمطًا من الحرب غير المتكافئة أربك الحسابات الميدانية وقلّص إلى حد كبير من فعالية التفوق البرى التقليدى الذى يعتمد عليه الاحتلال فى إدارة المعارك والسيطرة على الأرض.


واللافت هنا هو تراجع مخزونات الأسلحة والذخائر نتيجة الوتيرة المتسارعة للقتال واتساع نطاق الجبهات. وقد دفع ذلك الكونجرس الأمريكى، عبر الحزبين الجمهورى والديمقراطى، إلى السعى بصورة عاجلة لإقرار «قانون تفويض الدفاع لدمج الإنتاج المشترك»، بما يسمح بتوسيع نطاق الإنتاج العسكرى المشترك. ووفق هذا القانون، تنتقل العلاقة من نموذج المعونة العسكرية التقليدية إلى نموذج الشراكة التصنيعية المباشرة بين شركات الصناعات العسكرية الأمريكية - الإسرائيلية، بما يتيح مشاركة التكنولوجيا والإنتاج وتوفير كميات كبيرة من الذخائر والمعدات لتعويض أى نقص قد يهدد استمرارية العمليات العسكرية الإسرائيلية.


• • •
وهكذا يرتبط المشهد الجنوبى بملفات دولية شديدة التعقيد، حيث تسعى قوى كبرى، وفى مقدمتها الصين، إلى استغلال هذا المأزق بما يخدم مصالحها وممراتها التجارية العابرة للقارات، عبر تعطيل أى مشروع منافس يمكن أن يعيد تشكيل طرق التجارة العالمية.


وفى هذا السياق، تبدو خطة نتنياهو الرامية إلى بناء ممر برى بديل يمتد عبر سواحل لبنان وسوريا وصولًا إلى تركيا وأوروبا جزءًا من صراع أوسع على الجغرافيا الاقتصادية العالمية، ما يحول المستنقع اللبنانى فى نهاية المطاف إلى ساحة مواجهة بين مشاريع دولية كبرى تتجاوز حدود المنطقة نفسها. وبذلك يجد لبنان نفسه اليوم فى قلب إعصار جيوسياسى لا يرحم الضعفاء. فالسردية الأولى، القائمة على الوقائع المباشرة وتوازنات القوة الراهنة، تعكس خسارة فادحة تفرض على اللبنانيين مواجهة حقيقة مُرّة عنوانها تآكل السيطرة على الموارد المائية والجغرافية لصالح احتلال يتمدد بلا كوابح.


لكن السردية المقابلة تذكرنا فى الوقت نفسه بأن الميدان يبقى دائمًا الحكم النهائى فى الصراعات الطويلة، وأن كلفة الاحتلال والاستنزاف المستمر فى جبال الجنوب، إلى جانب تشابك مصالح الطاقة الدولية والممرات التجارية الكبرى، قد تجعل من هذا التوغل عبئًا استراتيجيًا يصعب استدامته على المدى المتوسط.

 

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved