مزيدًا من الاحتكار.. مزيدًا من التوحش

خولة مطر
خولة مطر

آخر تحديث: الأحد 5 يوليه 2026 - 6:20 م بتوقيت القاهرة

تحاصرك التكنولوجيا، ويحاصرك مروجوها، حتى تكاد تشعر بأنك سقطت خارج الزمن إذا لم تلاحقها أو تصبح جزءًا من هذا الذى يسمى «التطور» أو «الحداثة». يمتد ذلك الحصار إلى كل شىء، حتى يطال الإعلام، والصحافة، والكلمة، والمعلومة، والحق فى المعرفة. فتتحول الحواجز التى كانت، فى معظمها، بشرية أو من صنع البشر، إلى حواجز تكنولوجية أكثر تعقيدًا وتأثيرًا.

• • •

من يملك التكنولوجيا يملك القدرة على السيطرة. أليست هذه هى الفلسفة العميقة للرأسمالية؟ تلك التى لم تكتفِ يومًا بالهيمنة على البنوك، والاقتصادات، والمصانع، ولا على صناعة السلاح والدواء، ولا على النفط، والمعادن، والمياه، والأراضى الزراعية، بل سعت دائمًا إلى احتكار كل مصدر للقوة. واليوم يبدو أن هذه الهيمنة تنتقل إلى المجال الأكثر حساسية وخطورة: المعرفة نفسها. وبذلك تزداد توحشًا.

• • •

فى البداية، انصبّ النقاش على احتمال فقدان آلاف الصحفيين والإعلاميين وظائفهم، كما حدث فى قطاعات كثيرة استُبدلت فيها الآلة بالإنسان. وهو خوف مشروع، فالذكاء الاصطناعى أصبح قادرًا على كتابة الخبر، وإعداد التقرير، وترجمة النصوص، وإنتاج الصور، ومحاكاة الأصوات، بل وكتابة المقالات فى ثوانٍ معدودة.

• • •

غير أن فقدان الوظائف، على أهميته، ليس سوى الوجه الأكثر وضوحًا فى هذا التحول، وربما أقل وجوهه خطورة. فالثورات الصناعية جميعها ألغت مهنًا وخلقت أخرى، أما الثورة التى يقودها الذكاء الاصطناعى فتبدو مختلفة؛ لأنها لا تستهدف اليد العاملة وحدها، بل العقل المنتج للمعرفة.

• • •

فالخطر الحقيقى لا يكمن فى أن يحل الروبوت محل الصحفى، بل فى أن يصبح هو من ينتج الكلمة، ويصوغ المقال، ويختار المعلومة، ويعيد ترتيب أولوياتها. وأن تصبح المعرفة نفسها محتكرة فى أيدى عدد محدود من الشركات والدول التى تمتلك الخوارزميات، والبيانات، والبنية التحتية الرقمية، والقدرة على تطوير هذه التكنولوجيا. وعندها لن ينقسم العالم بين من يملكون المال ومن لا يملكونه فحسب، بل بين من ينتجون المعرفة ومن يستهلكونها، وبين من يصنعون الرواية ومن يكتفون بتلقيها، وأحيانًا الترويج لها عبر نفس تلك المنصات التى أصبحت هى الأخرى إحدى وسائل الاستعمار والهيمنة على العقل.

• • •

ليس كل هذا التحول جديدًا، بل هو امتداد لتاريخ طويل من الهيمنة. فالاستعمار لم يكن يومًا مجرد احتلال للأرض، بل كان مشروعًا متكاملًا للسيطرة على الثروة والرواية معًا. احتل البلدان ليستولى على الذهب، والمعادن، والنفط، والمياه، والأراضى الزراعية، لكنه احتكر أيضًا حق كتابة التاريخ، ورسم الخرائط، وتعريف الجغرافيا، وتقديم حضارات على أنها أصل الحضارة الإنسانية، بينما دفع حضارات أخرى إلى الهامش أو إلى النسيان.

• • •

ولعل تلك المقولة الشهيرة: «ما دام الأرنب لا يملك مؤرخًا، فسيظل تاريخ الصيد يمجد الصياد»، هى الأكثر تعبيرًا عن مخاوف التحولات السريعة والهيمنة على المعلومة. فقط تغيرت أدوات احتكار الرواية اليوم، وأصبحت أكثر تطورًا وقدرة على النفاذ إلى العقول قبل أن تصل إلى صفحات الكتب، والجرائد، وشاشات التلفزة.

• • •

لا تزال مقولة غرامشى عن الهيمنة الثقافية حاضرة بقوة، فعندما تصبح أفكار القوة المهيمنة هى الأفكار السائدة التى يتبناها الناس وكأنها حقائق غير قابلة للنقاش، هنا تكمن مخاوف الكثير من الباحثين حول توسع وسائل وأساليب الهيمنة. وربما لو عاش غرامشى فى زمن الذكاء الاصطناعي، لوجد أن الخوارزميات أصبحت الأداة الأكثر كفاءة لتحقيق تلك الهيمنة التى بحث فيها وتعمق. ليس لأنها فقط تمنع البشر من التفكير، بل تحدد لهم، بهدوء، ما الذى يقرؤونه، وما الذى يشاهدونه، وما الذى يستحق اهتمامهم.

• • •

وهذا ما يفسر القلق المتزايد لدى الباحثين والأكاديميين، كما تعكسه دراسات وتقارير حديثة حذرت من أن تطوير نماذج الذكاء الاصطناعى والبنية التحتية اللازمة لها يتركز فى أيدى عدد محدود من الشركات العالمية، الأمر الذى يثير مخاوف متزايدة من احتكار المعرفة وتراجع التعددية الإعلامية والفكرية. وقد نبهت إلى ذلك تقارير صادرة عن معهد رويترز لدراسة الصحافة، ومؤشر الذكاء الاصطناعى الصادر عن جامعة ستانفورد، ومؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد)، والتى أشارت إلى أن تركز البيانات، والقدرات الحاسوبية، ورءوس الأموال، فى أيدى عدد محدود من الشركات، قد يؤدى إلى احتكار أدوات إنتاج المعرفة وتوزيعها.

• • •

فمثلًا، لم تعد الصحافة تواجه الرقيب التقليدى الذى عرفته طوال عقود، سواء كان مسئولًا حكوميًا، أو جهازًا أمنيًا، أو حتى مالكًا لمؤسسة إعلامية. كان ذلك الرقيب، رغم سطوته، معروفًا ويمكن مواجهته أو الالتفاف عليه. أما اليوم، فإن الصحافة نفسها أصبحت خاضعة لسلطة جديدة، لا تحمل صفة رسمية، ولا تخضع لحدود الدول أو لرقابة المجتمعات. إنها سلطة الشركات العملاقة المالكة لمحركات البحث، ومنصات التواصل الاجتماعى، والبنية التحتية للحوسبة، ونماذج الذكاء الاصطناعى. وهى بالفعل أصبحت السلطة الخامسة، وأسقطت صفة السلطة الرابعة عن الصحافة والإعلام. فهذه السلطة لا تفرض رواية واحدة بالقوة، وإنما تجعلها هى المهيمنة، والأكثر انتشارًا، والأسرع، والأقدر على تشكيل الوعى العام. وهذا ما يفسر كثيرًا من قلق الباحثين، والأكاديميين، ولدى بعض المؤسسات الإعلامية.

• • •

ولعل هذا هو الوجه الأكثر توحشًا للرأسمالية فى القرن الحادى والعشرين؛ أن تنتقل من احتكار الثروة إلى احتكار المعرفة، ومن الهيمنة على الموارد إلى الهيمنة على الوعى الإنسانى نفسه.

كاتبة بحرينية

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved