عن الحرب التى تراوح مكانها.. تغيّر الأولويات وتعاظم الخسائر

وليد محمود عبد الناصر
وليد محمود عبد الناصر

آخر تحديث: الأربعاء 5 أغسطس 2026 - 7:55 م بتوقيت القاهرة

لا تكاد تمر عدة ساعات، بل وربما أحيانًا عدة دقائق، إلا ونستمع إلى أنباء أو تكهنات أو توقعات أو تقديرات أو حتى تصريحات مباشرة من شخصيات تحتل مناصب سياسية رفيعة فى هذا البلد أو ذاك، إما بأن الحرب الشاملة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة، وبين إيران من جهة أخرى، على وشك الاندلاع على نحو أشرس مما كانت عليه، أو أن الطرفين الأمريكى والإيرانى باتا على مقربة من التوصل إلى اتفاق وشيك، سواء لتسوية المسائل المتنازع عليها أو للبدء فى جولة مفاوضات جديدة بغرض التوصل إلى مثل تلك التسوية، ومن ثم تثبيت وقف إطلاق النار المفترض وجوده، والذى عمليًا تم انتهاكه على الأرض، على الأقل مئات المرات، على مدار الأسابيع الماضية.


أما المحصلة الحقيقية لكل ما جرى على مدار الأسابيع الماضية، وما زال يجرى حتى اللحظة الراهنة، فهى الجمع بين ما أشرنا إليه فى مقال سابق فى جريدة «الشروق» الغراء، بين حالة اللا سلم واللا حرب من جهة، وبين حالة حرب استنزاف مستمرة من جهة أخرى، يضاف إليهما تصاعد تراكمى ومخيف، ويتضاعف بمرور الوقت وباستمرار الحالة الراهنة المشار إليها، ولم يكن متوقعًا على الإطلاق بهذه الدرجة الكبيرة ولا على هذا النطاق الواسع، فى حجم الخسائر والأضرار الاقتصادية الضخمة على صعيد بلدان العالم بلا أى استثناء. حتى بالنسبة لمن كانوا يدفعون بأن الولايات المتحدة الأمريكية تستطيع أن تنأى بنفسها وبمواطنيها عن أى أضرار اقتصادية نتيجة تلك الحرب، فقد ثبت خطأ تقديراتهم.


فقد رأينا فى الآونة الأخيرة، على سبيل المثال، الإعلان عن نتائج عدة دراسات قامت بها مؤسسات ذات ثقل ولها طابع علمى متخصص، أو مراكز فكر وأبحاث أمريكية، تبرهن على وصول المعاناة الاقتصادية، نتيجة الحرب، وبقوة، وبشكل مباشر، إلى المواطن الأمريكى العادى فى حياته اليومية. ويتعين أن نتذكر هنا ما «تبشر به» عددٌ من مراكز الفكر والأبحاث العالمية من أن القادم لا يزال أسوأ فيما يتعلق بالنتائج الاقتصادية للحرب، وأن بعض هذه النتائج الكارثية ربما لن تظهر إلا بعد مرور أشهر عديدة على الانتهاء الرسمى والفعلى لحالة الحرب، قد تصل إلى فترة الستة أشهر، بما فى ذلك اختناقات متوقعة فى مجال إنتاج الغذاء على الصعيد العالمى.


وبالطبع يتعين علينا ألا ننسى الدمار الضخم الذى لحق بإيران وباقتصادها وقطاع النفط بها وبنيتها التحتية ومنشآتها، بسبب تعرضها لموجات الهجمات الأمريكية والإسرائيلية لمدة 40 يومًا متتالية، ثم التعرض لقصف أمريكى متقطع على مدار الأسابيع الماضية. ولكن أيضًا هناك التدمير الذى لحق بعدد من الدول العربية فى المنطقة، سواء الدول العربية فى منطقة الخليج أو الأردن، بسبب الردود الإيرانية على ما تسميه طهران أهدافًا أمريكية فى هذه الدول، وتعتبره تلك الدول منشآت وطنية وبنية تحتية خاصة بها. وكذلك هناك حالة لبنان، التى تدفع فاتورة حرب اندلعت لاحقًا، مرتبطة بالحرب الأصلية، وتعرضت لدرجة عالية من الدمار، ليس فى الجنوب فقط، بل وفى مناطق أخرى، بما فيها العاصمة بيروت. فلإعادة إعمار كل ذلك كلفة اقتصادية ضخمة، ليس من الواضح حتى الآن من سيدفع فاتورتها.


وتأخذنا مسألة الأضرار والخسائر الاقتصادية الناتجة عن الحرب إلى تناول حالة العجز الأمريكية عن فرض حرية الملاحة التجارية الدولية فى مضيق هرمز الاستراتيجى، وعن التصدى للإغلاق الفعلى للمضيق من جانب الطرف الإيرانى، أو إجبار الجانب الإيرانى على إبقاء المضيق مفتوحًا وضمان عدم التعرض للسفن والناقلات المارة به، حيث نجح الأخير فى تحويل موضوع حرية الملاحة فى مضيق هرمز إلى ما يقترب من مكانة القضية المركزية فى الحرب وفى المفاوضات مع واشنطن، وذلك بالرغم من أن هذه القضية لم تكن أصلًا مطروحة قبل حرب 28 فبراير 2026، ولم تكن محل أى نقاش أو خلاف دولى، كما أنها فى ذلك الوقت لم تكن ضمن المسائل المثارة كمطالب أمريكية أو إسرائيلية استخدمت لتبرير شن الحرب.


وبالنسبة لمسألة مضيق هرمز على وجه التحديد، فإن الاتفاق على ترتيبات الملاحة به بعد انتهاء الحرب لن يكون أمرًا سهلًا على الإطلاق، ومن المتوقع أن يستغرق وقتًا طويلًا من المفاوضات والنقاشات والجدل، نظرًا لحيوية الأمر بالنسبة للغالبية العظمى من دول العالم، وتأثيراته المباشرة على مصالحها الوطنية وعلى مسارات أوضاعها الاقتصادية، بما فى ذلك إمدادات الطاقة والغذاء والأسمدة وغيرها، خاصة فى ظل أن كلًا من طهران وواشنطن تلوحان بحق كل منهما فى فرض رسوم مرور على السفن والناقلات العابرة للمضيق: الأولى باعتبارها دولة مطلة عليه، بالإضافة إلى سلطنة عمان، بينما الولايات المتحدة الأمريكية يتحدث من حين إلى آخر بعض كبار مسئوليها عن حقها فى فرض رسوم، تحت مبرر توفير الحماية للسفن والناقلات المارة، سواء كان ذلك الآن أو فى المستقبل.


وإذا انتقلنا إلى أحد الملفات الرئيسية التى كانت تعتبر، من وجهة نظر الطرفين الأمريكى والإسرائيلى، من الأسباب المهمة، إن لم تكن السبب الأهم، لتبرير وإسباغ المشروعية على شن الحرب على إيران، سواء فى يونيو 2025 أو فى فبراير 2026، وأعنى هنا ملف البرنامج النووى الإيرانى، فنجد أنه لا توجد حتى الآن رؤى واضحة بشأن تسويته بشكل يحل الخلاف بين طرفى الحرب، اللهم سوى الاتفاق، فى نهاية فترة الوساطة الباكستانية الأخيرة، على بدء محادثات تستمر لمدة تصل، بحد أقصى، إلى 60 يومًا لتسوية الخلافات حول هذا الملف بين الطرفين الأمريكى والإيرانى، وعبر الوساطة الباكستانية، وهو هدف يبدو من الصعب تحقيقه فى فترة زمنية قصيرة كهذه، فى ضوء حجم تعقيدات هذا الملف والجوانب الفنية والقانونية، بالإضافة إلى الجوانب السياسية والأمنية والاستراتيجية، بالطبع، المنبثقة عنه من جهة، وكذلك إذا أخذنا فى الاعتبار تباعد مواقف الأطراف بشأن الأساسيات، وكذلك التفاصيل المتعلقة به، من جهة أخرى.


كما أن ما يجرى فى الوقت الراهن من سبل التعاطى مع الموقف المشتعل إقليميًا، وما يصدر من تصريحات عن كبار المسئولين لدى الأطراف المعنية بالصراع، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، يعطى إيحاءات وإيماءات تعطى مؤشرات على أنه، فى حقيقة الأمر، فإن حسم ملف البرنامج النووى الإيرانى يبدو متراجعًا بعض الشىء فى الأولويات خلال الفترة الحالية، على الأقل أمام ملفات أخرى تبدو أكثر إلحاحًا، مثل موضوع حرية الملاحة الدولية فى مضيق هرمز، وكذلك محاولات العمل بشكل متسارع، سعيًا نحو استعادة الحد الأدنى من الأمن والاستقرار الإقليميين، الضروريين للخروج من حالة الانفلات العسكرى والاستراتيجى والأمنى السائدة فى الوقت الراهن، وتأثيراتها الكارثية على الاقتصادات العالمية، حتى ولو تأخر لبعض الوقت هدف تحقيق السلام الدائم فى المنطقة، من زاوية النزاعات المتصلة بشكل مباشر بالمواجهات العسكرية مع إيران.


ولا يمكن تناسى موضوعات كانت فى البدء فى طليعة الأولويات الأمريكية والإسرائيلية، ولكنها توارت إلى حد ما، وربما لبعض الوقت فقط، على الأقل أمريكيًا، مثل برنامج الصواريخ الباليستية الإيرانية، ومجمل برنامج التسليح الإيرانى، وكذلك الدعم الإيرانى لحلفاء إقليميين تنظر إليهم كل من واشنطن وتل أبيب باعتبارهم أعداء ومعوقين لتنفيذ مشاريع إقليمية مستقبلية، سواء كانت هذه المشاريع محل اتفاق أمريكى/ إسرائيلى، أو كانت مشاريع تقتصر على الجانب الأمريكى أو تقتصر على الجانب الإسرائيلى، ويشمل ذلك بالطبع حزب الله اللبناني، وجماعة الحوثيين أو أنصار الله فى اليمن، وبعض الجماعات السياسية والمسلحة الشيعية العراقية المؤيدة لإيران، وبعض الجماعات السياسية والمسلحة الفلسطينية المؤيدة لإيران. إلا أن الأولوية قد تعود، فى لحظة أو أخرى، إلى أحد أو بعض أو كل هذه الملفات، وقد يجرى تفعيلها من جديد، سواء نتيجة مسار المواجهات العسكرية أو بما قد يترتب على أى اتفاق جديد لتسوية النزاع، حتى ولو كان اتفاقًا على استئناف العملية التفاوضية ووضع جدول أعمال لها ومدى زمنى تجرى فى إطاره.


وفى الختام، علينا أن نتذكر جميعًا أنه، فيما يتعلق بالولايات المتحدة الأمريكية، فإنه كلما تقدم الوقت، كلما تراجعت فرص قيام الإدارة الأمريكية بشن حرب شاملة ضد إيران، ليس فقط فى ضوء تقديرات الخسائر لواشنطن وحلفائها، ولكن لعدم التيقن من مردود مثل تلك الحرب ومدتها ونتائجها على انتخابات التجديد النصفى للكونجرس الأمريكى، المقرر لها يوم 3 نوفمبر 2026، والتى إما يفوز فيها الحزب الجمهورى ويحتفظ بسيطرته الراهنة على الكونجرس بمجلسيه، أو يفوز الحزب الديمقراطى بالأغلبية، على الأقل فى أحد المجلسين: النواب أو الشيوخ، وبالتالى تتعرض قدرة الإدارة الأمريكية على المناورة، وهامش الحركة المتاح أمامها، إلى تقلص كبير وقيود تحد من حرية اتخاذ القرار من جانبها، على النحو المتوفر لها حاليًا.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved