كاتس يحاول تطبيق نموذج بن غفير فى الشرطة داخل الجيش
من الصحافة الإسرائيلية
آخر تحديث:
الأربعاء 5 أغسطس 2026 - 7:40 م
بتوقيت القاهرة
حدث كل شىء تقريبًا فى ظل الحكومة الحالية، بما فى ذلك مذبحة 7 أكتوبر، لكن لم يكن لدينا قصة كهذه؛ وزير الدفاع يسرائيل كاتس اتخذ إجراء إبداعيًا من الإقالة على الهواء مباشرة، عندما أعلن استبدال قائد المنطقة الوسطى اللواء آفى بلوط باللواء دادو بار خليفا. فسارع رئيس هيئة الأركان إيال زامير إلى الإعلان أنه لن يسمح بالاستبدال، وهكذا اشتعلت المواجهة بين الوزير ورئيس هيئة الأركان من جديد، على الرغم من القتال الذى لا يزال الجيش الإسرائيلى يديره على جبهات عديدة.
• • •
استلم كاتس منصبه فى نوفمبر 2024، بعد أن أقال رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو الوزير السابق يوآف غالانت، فى إطار جهود نقل مسئولية «المذبحة» إلى الجميع ما عدا نتنياهو. وفورًا، فُرضت على كاتس مهمتان، ولم ينجح سوى فى الأولى: جعل حياة رئيس هيئة الأركان، آنذاك، هرتسى هليفى بائسة، وهو الذى استقال فعلًا؛ والمساعدة على تمرير قوانين التهرب من الخدمة العسكرية للحريديم، وهو هدف اتضح أن تحقيقه معقد جدًا، حتى بالنسبة إلى رئيس الحكومة نفسه؛ أمّا الجزء الأساسى من الوظيفة، فلم يكن يعنى نتنياهو، ويتضح أنه لم يكن يعنى كاتس نفسه أيضًا. تعامل الوزير مع ولايته كأنها رحلة "بار متسفا" طويلة، تتيح له أن يلتقط صورًا مع الجنود فى وضعيات قتالية كل أسبوع؛ كذلك أكثرَ من تهديد أعداء إسرائيل؛ أمّا النبرة والكلمات التى اختارها، فكانت تحاكى أسلوب كثيرين من قادة المنطقة.
زعم كاتس أن نهجه الصارم والقتالى، وبشكل خاص فى تصريحاته، هو نتيجة مباشرة "للمذبحة" فى غلاف غزة: لقد تعلمت إسرائيل الدرس، وعليها تبنّى سياسة استباقية، وهى أن تهاجم فورًا كلما رصدت تهديدًا. وشأنه شأن نتنياهو، يروّج كاتس أيضًا مفهوم الأحزمة الأمنية التى استولى عليها الجيش الإسرائيلى فى غزة، وفى الجنوب اللبنانى وسوريا، باعتبارها الرد الجديد على كل تهديد، لكن المحصلة النهائية لولايته، بعد سنة وتسعة أشهر تقريبًا، مثيرة للسخرية إلى حدّ كبير؛ فهيئة الأركان العامة للجيش الإسرائيلى لا تأخذه على محمل الجد، وكذلك الجمهور، حسبما تدل استطلاعات الرأى من حين إلى آخر، يكتشف ادعاءاته.
• • •
تزداد هذه الظواهر حدةً فى الآونة الأخيرة، مع اقتراب موعد الانتخابات التمهيدية لحزب "الليكود"، التى لا يزال نتنياهو يبحث عن طريقة لإلغائها بحجة الأمن. يبدو كأن كاتس يخشى من نتيجة مخيبة للآمال فى الانتخابات الداخلية، ويتأثر أيضًا بجماعات الضغط أكثر فأكثر، وفى مقدمتها كتل الناخبين من المستوطنين الأعضاء فى الحزب، فيطلق تصريحات تزداد حدة التطرف فيها بشأن الخطوات التى تتخذها إسرائيل فى لبنان والضفة، فباتت تصريحاته فظة لدرجة كبيرة، ومتناقضة مع القانون الدولى إلى حد كبير، حتى إن المؤسسة الأمنية بدأت تشك فى أن كاتس يلهو بفكرة أن يصدر فى حقه أمر اعتقال من المحكمة فى لاهاى، على غرار ما حدث لنتنياهو وغالانت، على أمل أن يرفع مثل هذا الهجوم مكانته فى نظر ناخبى الانتخابات التمهيدية.
وكانت قضية بلوط التعبير الأكثر تطرفًا عن حالة الذعر السياسى التى أصابت كاتس؛ فقائد المنطقة الوسطى الحالى هو ضابط مخضرم، تسلّم قبل منصبه الحالى، من بين مناصب أُخرى، منصب قائد لواء الكوماندوز، وكان سكرتيرًا عسكريًا لنتنياهو، وقائدًا لفرقة الضفة الغربية. إن التيار الرئيسى فى أوساط المستوطنين يحب بلوط، ويعتبره واحدًا من أبنائه، فاللواء يرتدى القلنسوة الدينية ونشأ فى مستوطنة نيفى تسوف، غربى رام الله، على الرغم من أنه يعيش اليوم داخل حدود الخط الأخضر.
من الناحية العملياتية، يقود بلوط خطًا هجوميًا فى مواجهة الإرهاب الفلسطينى: طوال سنوات الحرب، قتل الجيش مئات المسلحين فى الضفة الغربية، وخلّف دمارًا هائلًا فى مخيمات اللاجئين التى سيطر عليها فى منطقة جنين وطولكرم، وفى المقابل، تعرّض اللواء لانتقادات بسبب عدم الالتزام، بل التساهل المتعمد مع قواعد فتح النار (فى كثير من الأحيان، يطلق الجنود الرصاص الحى أيضًا على راشقى الحجارة)، وانتُقد أيضًا بسبب العجز أمام انتشار الإرهاب اليهودى فى الضفة. وهذه ليست مسئوليته وحده؛ فقادته أيضًا يتحملون المسئولية، لكن إصرار بلوط على اعتبار عشرات المزارع التى أقيمت فى عهده فى الضفة جزءًا من الحل للتهديدات الأمنية، أثار علامات استفهام كثيرة.
• • •
الضفة تشتعل الآن، خصوصًا على خلفية هجمات المستوطنين على القرى الفلسطينية، والتى بدأت تواجه ردًا عنيفًا. ويجد الجيش الإسرائيلى صعوبة بالغة جدًا فى السيطرة على الوضع، واضطرت هيئة الأركان إلى تحويل قوات إضافية إلى هناك؛ أمّا الحادثة فى قرية تل - عندما أدّت دورية استفزازية لمستوطنين إلى تبادُل إطلاق نار، قُتل فيه إسرائيليان وأربعة فلسطينيين فى نهاية الشهر الماضى - فتُعتبر الأبرز، لكنها ليست الوحيدة.
ليس هذا ما يُقلق اليمين المتطرف فى الضفة، الذى تشكل حصته من السكان المستوطنين أكبر مما تميل وسائل الإعلام إلى وصفه؛ ففى الأسابيع الأخيرة، تُدار حملة تشويه ضد قائد المنطقة، بهدف إلغاء أوامر الإبعاد والقيود الإدارية التى فُرضت على ناشطين يُشتبه فى ارتكابهم أعمال عنف خطِرة. وهنا تطورت مواجهة حادة بين بلوط والنيابة العامة للدولة من جهة، وكاتس من جهة أُخرى، بعد أن تراجع الأخير عن دعمه للخطوات التى اتّخذت فى محاولة للحد من العنف. وهذه ليست أول خطوة من هذا النوع يتخذها كاتس، فبمجرد تسلّمه منصبه فى وزارة الدفاع، ألغى الاعتقالات الإدارية بحق اليهود فى الضفة، على الرغم من تحذيرات "الشاباك" والجيش الإسرائيلى من أن ذلك يحرمهم وسيلة مركزية لردع الإرهاب اليهودى.
الآن، يحاول كاتس تطبيق النموذج الذى طبّقه إيتمار بن غفير فى الشرطة ومصلحة السجون: تركيز جميع القرارات فى يديه؛ وإظهار قوته عبر الإقالات والتهديدات؛ وترهيب رئيس هيئة الأركان والجنرالات، على أمل أن يتوافقوا معه خوفًا منه؛ عدم منحه الدعم لمن لا يتصرفون وفق مطالبه. ففى معظم الوقت، الوزير لا ينشغل بالأمن، بل بتسويق صورته الشخصية. هنا يجرى استخدام الجيش الإسرائيلى استخدامًا كليًا وساخرًا- على أمل تحقيق مكاسب سياسية، مع مساهمة أمنية صفرية.
سُجلت الذروة، حتى الآن على الأقل، فى استوديو برنامج «الوطنيون» على شاشة «القناة 14»؛ إذ وقع كاتس فيما بدا كأنه كمين خطط له أعضاء الطاقم، الصف الأول من الأبواق، وهدفهم الأساسى هو ترويج سياسة نتنياهو عشية الانتخابات. لقد استفزوه بشأن عدم سيطرته على بلوط، بحسب زعمه. وتحت الضغط الشديد الذى مورِس عليه، بدا كأن كاتس خاف وانكسر؛ إنها حالة نادرة يكون فيها استخدام عبارة غير مسبوق مبررًا. أعلن الوزير ببساطة على الهواء مباشرة خطوة كان يدرسها خلال الأشهر الأخيرة: استبدال بلوط ببار خليفا، وفى الواقع، إقالة اللواء الحالى من منصبه، حتى لو لم يقُل الأخيرة بصراحة.
ومثلما كان متوقعًا، اتضح أن الأمر لم ينسَّق إطلاقًا مع رئيس هيئة الأركان، الذى سمع الخبر عبر وسائل الإعلام. ونشر المتحدث باسم الجيش الإسرائيلى بيانًا، بعد منتصف الليل، قال فيه إن بلوط يعمل بشجاعة وتضحية ويحظى بثقة كاملة من زامير ليس لدى رئيس هيئة الأركان نية بشأن استبدال القادة فى المناصب الرئيسية خلال هذه الفترة الحساسة. وبعد أن يتخذ رئيس هيئة الأركان مثل هذا القرار، سيصادق عليه، وفقًا للإجراءات. فردّ مكتب وزير الدفاع ببيان خاص به، جاء فيه أن زامير أوصى ببار خليفا للمنصب منذ أبريل الماضى، والتقى كاتس المرشح فى يوليو، وخرج بانطباع أن خليفا ملائم للمنصب، والآن، قرر إعلان قبول توصية رئيس هيئة الأركان والتعيين المتوقع فى جولة التعيينات المقبلة (هذا الادعاء زائف، فى أفضل الأحوال، لقد تم التبليغ فعليًا، خلال الأسبوع الماضى، أن كاتس يهدد بلوط بالإقالة بسبب الخلاف بشأن اعتقال الناشط طال يانون ديرديك).
• • •
هناك توتّر واضح بين زامير وبين نتنياهو وكاتس منذ فترة طويلة، على خلفية الهجمات المتواصلة من الوزراء وأعضاء الكنيست فى الائتلاف على الجيش ورئيس هيئة الأركان، فى محاولةٍ لإلقاء المسئولية عليهم بشأن الفجوة بين وعود الحكومة والواقع الأمنى على الأرض. وكان زامير، الذى اصطدم بالحكومة على خلفية قوانين التهرب من الخدمة والعبء الواقع على المقاتلين فى الخدمة النظامية والاحتياط، وكان مترددًا بشأن المدى الذى يصل إليه الخلاف مع المستوى السياسى؛ أمّا تحرُّك كاتس المتهور فلم يترك أمام رئيس هيئة الأركان خيارًا سوى الوقوف ضده.
والآن، السؤال هو عمّا إذا كان نتنياهو سيأمر كاتس بالتراجع خطوة إلى الوراء، أم إن «الليكود» سيقرر أن المواجهة تخدمه فى أوساط القاعدة الانتخابية، وستؤدى بالتوتر إلى صدام علنى طويل الأمد؛ وإذا أعلن كاتس موعد استبدال بلوط، فلن يكون أمام زامير من خيار سوى الاعتراض. وفى مثل هذه الظروف، ربما يضطر بار خليفا أيضًا إلى رفض التعيين، إذا كان يريد مواصلة التمتع بثقة قائده وزملائه.
عاموس هرئيل
هآرتس
مؤسسة الدراسات الفلسطينية