مقاومة الفقر وعوائد النمو: نحو تنمية أكثر عدلًا وشمولًا

عمرو حلمي
عمرو حلمي

آخر تحديث: السبت 5 سبتمبر 2026 - 4:35 م بتوقيت القاهرة

يُعد الحد من الفقر أحد الاختبارات الأساسية لنجاح السياسات الاقتصادية، إذ لا تقاس قوة الاقتصاد فقط بقدرته على تحقيق معدلات مرتفعة من النمو، أو تحسين مؤشرات الاستثمار والإنتاج والتجارة، وإنما بقدرته على تحويل هذا النمو إلى تحسن ملموس ومستدام في مستويات معيشة المواطنين. فارتفاع الناتج والدخل القومي قد يتزامن مع استمرار الفقر واتساع الفجوات الاجتماعية إذا تركزت عوائد النمو في شرائح محدودة، أو إذا لم تتوافر للفئات الأقل دخلاً القدرة على الوصول إلى التعليم والصحة والسكن والعمل المنتج والخدمات الأساسية. ومن هنا أصبح مفهوم الفقر أكثر اتساعاً من مجرد انخفاض الدخل أو عدم كفايته لتلبية الاحتياجات الأساسية، ليشمل قدرة الإنسان على الوصول إلى الموارد والفرص والخدمات التي تمكنه من بناء حياة آمنة وكريمة والمشاركة الفاعلة في المجتمع وصناعة مستقبله.

ومن هذا المنظور، أصبح من الضروري التمييز بين الفقر المدقع والفقر النسبي والفقر متعدد الأبعاد. فالفقر المدقع يشير إلى عدم قدرة الإنسان على تأمين الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية اللازمة للبقاء، مثل الغذاء والمياه والمسكن؛ أما الفقر النسبي فيرتبط بمستوى المعيشة السائد في المجتمع، ويعكس عجز الفرد أو الأسرة عن الوصول إلى مستوى من الموارد والفرص يمكّنهم من المشاركة بصورة طبيعية في الحياة الاقتصادية والاجتماعية. أما الفقر متعدد الأبعاد، فيتجاوز قياس الدخل إلى رصد أشكال الحرمان المتزامنة في مجالات أساسية مثل التعليم والصحة والسكن والخدمات الأساسية ومستوى المعيشة. وبذلك قد لا يكون ارتفاع دخل الفرد كافياً للخروج من دائرة الفقر إذا ظل محروماً من خدمات أو فرص أساسية. والفقر لا يقتصر على الدول النامية، وإنما يوجد أيضاً في الدول المتقدمة، وإن اختلفت أشكاله وحدته.

شكل إعلان الألفية للأمم المتحدة عام 2000 نقطة تحول في التعامل الدولي مع القضية، عندما وضعت الأهداف الإنمائية خفض الفقر المدقع والجوع في مقدمة الأولويات. وأسهمت هذه الأهداف في تحقيق تقدم عالمي مهم حتى عام 2015، لكنها أظهرت أيضاً أن النمو الاقتصادي وحده لا يكفي. فقد تتحسن مؤشرات الناتج والاستثمار والتجارة والبطالة، دون أن تتحسن الأوضاع المعيشية لقطاعات واسعة إذا تركزت عوائد النمو في نسبة محدودة من السكان. ومن هنا تبرز أهمية النمو الشامل، الذي يوسع قاعدة المستفيدين من النشاط الاقتصادي ويحول زيادة الثروة الوطنية إلى فرص أوسع للعمل والدخل والحراك الاجتماعي.

وجاءت أهداف التنمية المستدامة التي أقرتها الأمم المتحدة عام 2015 لتوسع هذا المفهوم، فجعلت الهدف الأول «القضاء على الفقر بجميع أشكاله وفي كل مكان»، مع التركيز على الحماية الاجتماعية والخدمات الأساسية والفرص الاقتصادية والقدرة على مواجهة الأزمات. ويؤكد مؤشر الفقر متعدد الأبعاد العالمي لعام 2025 أن 1.1 مليار شخص في 109 دول يعيشون في فقر متعدد الأبعاد، وأن نحو 740 مليوناً منهم يعيشون في دول متوسطة الدخل، بينما يمثل الأطفال أكثر من نصف الفقراء. كما يعيش 887 مليون شخص من الفقراء متعددي الأبعاد في مناطق معرضة لمخاطر مناخية، بما يربط الفقر بصورة متزايدة بالقدرة على الصمود أمام تغير المناخ والصدمات الاقتصادية.

وتزداد خطورة الفقر عندما يتحول إلى مصدر للانقسام الاجتماعي. فعندما ترتبط جودة التعليم والصحة والسكن وفرص العمل بمستوى الدخل أو بالموقع الجغرافي، يمكن أن يتحول الحرمان إلى دائرة تنتقل من جيل إلى آخر. ومع تراجع فرص الحراك الاجتماعي، يتآكل الإحساس بالعدالة والثقة في المؤسسات، مما يجعل مكافحة الفقر قضية تتصل بالاستقرار السياسي والتماسك الوطني. فكلما اتسعت الفجوة بين المستفيدين من النمو ومن يظلون خارجه، زادت قابلية المجتمع للتوتر والاستقطاب.

وتقدم تجارب الصين والبرازيل وفيتنام وبنغلاديش دروساً مهمة. فقد جمعت الصين بين النمو الاقتصادي والاستثمار الواسع في البنية الأساسية والتعليم ورفع الإنتاجية، ثم تبنت سياسات أكثر استهدافاً للأسر والمناطق الأشد فقراً. ويشير البنك الدولي إلى أن الصين أخرجت قرابة 800 مليون شخص من الفقر خلال أربعة عقود. وفي البرازيل ساعدت التحويلات النقدية المرتبطة بالتعليم والصحة على حماية الأسر والاستثمار في رأس المال البشري، بينما استفادت فيتنام من الإصلاح الاقتصادي والتجارة وخلق فرص العمل بالتوازي مع الاستثمار في الخدمات الأساسية. أما بنغلاديش فتبرز أهمية التصنيع كثيف العمالة وتمكين المرأة والتعليم والتمويل الأصغر. وتؤكد هذه التجارب أن النمو يكون أكثر تأثيراً في خفض الفقر عندما يقترن بسياسات توسع قاعدة المستفيدين منه.

ومن ثم، فإن مقاومة الفقر تتطلب الانتقال من سياسة «مساعدة الفقراء» إلى سياسة «تمكين الفقراء». فالتحويلات والدعم ضروريان لحماية الأكثر هشاشة، لكنهما لا يكفيان دون تعليم جيد، ورعاية صحية، ووظائف منتجة، وبنية أساسية، وتمويل، وحماية اجتماعية قادرة على مواجهة الصدمات. كما ينبغي أن تستهدف السياسات الأكثر احتياجاً ببيانات دقيقة، وأن تركز على منع الوقوع في الفقر بقدر مساعدة من وقعوا فيه.

إن القضاء على الفقر، في النهاية، ليس مشروعاً اجتماعياً منفصلاً عن الاقتصاد، بل جزء من استراتيجية النمو والاستقرار الوطني. فالتنمية التي ترفع الناتج ولا تحسن حياة غالبية المواطنين تظل تنمية ناقصة، والنمو الذي تتركز ثماره في أيدي قلة لا يستطيع وحده أن يصنع مجتمعاً مستقراً أو عادلاً. لذلك فإن المعيار الحقيقي لنجاح السياسات الاقتصادية ليس حجم الثروة التي ينتجها الاقتصاد فقط، وإنما مدى اتساع قاعدة المستفيدين منها، وقدرة المواطنين على تحويلها إلى فرص حقيقية للتقدم. فالمعركة الحقيقية ضد الفقر لا تُحسم بحجم ما تنفقه الدولة على الفقراء، وإنما بقدرتها على بناء اقتصاد يوسع قاعدة الفرص، ويضمن عدالة توزيع عوائد النمو، ويمنح كل مواطن القدرة على الخروج من الفقر بعمل منتج وحياة أكثر أمناً وكرامة.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved