الفنانة زوجة فلان
داليا شمس
آخر تحديث:
السبت 5 سبتمبر 2026 - 6:20 م
بتوقيت القاهرة
اختلط على الأمر فى البداية حينما وصلتنى دعوة لمعرض بعنوان «حكاية تشكيلية لم تكتمل» فى جاليرى «ضى» بالزمالك للفنانة رعاية الله حلمى (1923-2014)، فقد كنت أعرف أننى أحببت ما صادفنى من أعمالها ولكننى لا أتذكر على وجه الدقة هل كان ذلك فى متحف الفن الحديث أو من خلال تصفحى لبعض الكتب والكتالوجات التى تناولت تاريخ رائدات الفن التشكيلى فى مصر. وعندما زرت المعرض وقرأت المقدمة التى كتبها عنها بكل حب ابنها الأكاديمى ووزير الثقافة الأسبق، الدكتور عماد أبوغازى، وطالعت مقاله الذى نشره بموقع «باب مصر» فى 30 أغسطس الماضى تحت عنوان «رعاية حلمى.. فنانة توقفت فى منتصف الطريق» زال بعض الالتباس، إذ اتضح لى أننى مزجت بينها وبين شقيقتها الأصغر منها مباشرة، الفنانة منحة الله حلمى (1925-2004) التى لمعت فى فنون النقش والحفر والطباعة واشتهرت أكثر ويضم متحف الفن المصرى الحديث وكذلك جمعية محبى الفنون الجميلة بعضًا من مقتنياتها. أما أختها الأكبر «رعاية» فقد توقفت فى منتصف الطريق بمحض إرادتها لرعاية أولادها فى النصف الثانى من الخمسينيات، بعد زواج حب غير تقليدى من الناقد الكبير بدر الدين أبوغازى الذى درس الحقوق إلى جانب اهتمامه بالثقافة والنقد وتدرج فى الوظائف الحكومية وعُين وزيرًا للثقافة بين عامى 1970 و1971. لم يكن له يد فى قرار اعتزالها المشاركة فى المعارض الفنية والاكتفاء بالتدريس الذى أحبته واكتفت بمسئوليتها تجاه أبنائها مختار وعماد ونادية وتجاه تلميذاتها فى مدرستى «المنيرة» ثم «السنية»، فى حين تميزت بشدة فى مجال التصوير ومجال النحت الذى تخصصت فيه، ويمكننا ملاحظة ذلك من خلال بعض التماثيل كبيرة الحجم المعروضة حاليًا فى «ضى»، والمنفذة أغلبها بحجر الجبس، ويذكرنا بعضها بفلاحات مختار الذى جعل من المرأة المصرية رمزًا فى الكثير من أعماله الفنية.
غُصت فى عالم الأختين - رعاية ومنحة حلمى - بعد زيارة المعرض، لفض الالتباس والوقوف على المشترك بينهما، وبالفعل يجمعهما الكثير، غير نشأتهما بضاحية حلوان وسط عائلة راقية ومنفتحة.. فقد التحقت كلتاهما بالمعهد العالى للفنون الجميلة للمعلمات خلال أربعينيات القرن الماضى، وكان المعهد قد أُنشِىء فى القاهرة عام 1939 كأول مؤسسة عامة مخصصة للشابات فى مصر بهدف تدريب معلمات للرسم، لكن تطور منهجه منح الطالبات فرصة ليصبحن فنانات بارزات مثل رعاية ومنحة حلمى وجاذبية سرى التى تخرجت هى الأخرى من المعهد نفسه خلال الحقبة الزمنية نفسها، بل سافرت بعد منحة حلمى إلى لندن بعام واحد لاستكمال تعليمهما فى مدرسة «سليد» للفنون الجميلة وتخرجتا عام 1955.
• • •
جذبتنى تفاصيل احتراف النساء للممارسة الفنية فى تلك الفترة وتقاطع مساراتهن المهنية، ففى أعقاب ثورة 1919 وصدور دستور 1923 بدأت الدولة تهتم بمجال الفنون الجميلة وارسال البعثات للخارج وإقامة المعارض والمتاحف الفنية. وتدريجيًا أصبحت الجامعات الحكومية الفاعل الأساسى فى تعليم الفنون بشكل أكاديمى، أدخلت وزارة المعارف العمومية مدرسة الفنون الجميلة تحت مظلتها، وكانت قد أنشئت بمبادرة أهلية فردية من الأمير يوسف كمال فى بداية القرن، وتطورت على مر السنين لتصبح كلية للفنون الجميلة. تفتحت مواهب الأختين- رعاية ومنحة حلمى- فى هذا الجو العام، ويمكننا تتبع ذلك من خلال أعمالهما التى تُظهر الفتيات فى المرسم وطريقة لبسهن أو لعبهن فى الشارع أو تصوير الموديل العارى كما كان دارجا وقتها. مشاهد الطبيعة المصرية تختلط بملامح العصر فى هدوء دون افتعال أو صخب. عروسة المولد أيضًا موضوع مشترك بين الأختين، كل واحدة تنفذها بأدواتها الخاصة. نلمح أيضا تأثيرات أستاذتهما فى المعهد لعالى للفنون الجميلة للمعلمات: مارجريت نخلة (1908-1977) وكوكب يوسف العسال (1909-2009) وإيما كالى عياد (1906-1989). ووجود المعهد بحى بولاق الشعبى وضع الطالبات فى خضم الحياة اليومية لمناطق الطبقة العاملة، وانعكس ذلك على أعمال البنات فى مرحلة مبكرة كما نلاحظ بوضوح فى لوحات جاذبية سرى ورعاية ومنحة حلمى. يمكننا بالطبع تعقب تطور الحياة الاجتماعية أكثر من خلال أعمال منحة حلمى التى وثقت مشاهد السوق والتجمعات الشعبية وعمل الفلاحين خلال الخمسينيات والستينيات، وتناولت محفوراتها بالأبيض والأسود توسع الرعاية الصحية فى «العيادة الخارجية» وبناء السد العالى وحضور النساء فى المجال العام وحصولهن على حق التصويت والترشح من خلال لوحة الانتخابات التى أنجزتها عام 1957. ورسمت «أطفال بحر البقر» عام 1971 لتصور قصف الجيش الإسرائيلى لمدرسة أطفال فى قرية بالقرب من بورسعيد، واتجهت بعد هزيمة 1967 إلى التجريد، وتقاربت تجربتها مرة أخرى مع زميلتها جاذبية سرى التى غيرت أسلوبها أيضًا بعد النكسة من التشخيص إلى التجريد الهندسى. وقد وضعت منحة الله حلمى توقيعها على آخر أعمالها الحفرية عام 1983 لتضرر صحتها بسبب المواد الكيماوية المستخدمة فى الحفر، واستمرت حتى وفاتها فى التدريس بالمعهد الذى تحول إلى كلية التربية الفنية منذ السبعينيات. أما رعاية حلمى فقد صارت موجهة للتربية الفنية حتى تقاعدها الاختيارى عام 1979 بعد وفاة ابنها الأكبر، مختار، فى حادث سير.
• • •
استكملت رحلتى مع احتراف النساء للممارسة الفنية فى الطابق الأول من جاليرى «ضى» حيث يُقام معرضا لفنانة موهوبة للغاية توارت عن الأضواء هى الأخرى وتفرغت لأسرتها وزوجها التشكيلى البارز حامد ندا، رائد السريالية الشعبية. اسم الفنانة عطية حلمى، لكنها لا تنتمى لعائلة الأختين، هو فقط مجرد تشابه فى الأسماء وفى الاختيارات والأوليات الحياتية. عطية حلمى تخرجت فى كلية الفنون الجميلة - قسم تصوير- عام 1962. اختارت أن تكون هى أيضًا "الفنانة زوجة فلان"، رغم أن لوحاتها المعروضة تعكس تمكنا أكاديميًا كبيرًا ورؤية فنية خاصة كانت تؤهلها لأن تتبوأ مكانة لا تقل عن تحية حليم وجاذبية سرى. استلهمت من الفلكلور واستوحت لوحاتها من الحارة المصرية وألعاب الأطفال الشعبية، وتظهر فى أعمالها قدرة عالية فى التعامل مع المنظور والتشريح البشرى وبراعة فى استخدام الظل والنور والألوان الدافئة بما يناسب الطبيعة المصرية. هى الأخرى توثق لحقبة فنية استثنائية، حرص الفاعلون خلالها على الأصالة والتجديد دون نسخ أعمى، سواء من اشتهروا منهم أو من اختاروا البقاء فى الظل. بالطبع أثرت تركبية المجتمع على اختيارات النساء اللائى احترفن الفن، وكما قال الدكتور عماد أبوغازى فى خضم حديثه عن والدته «لو عاد بنا الزمن، لكنت ألححت عليها مبكرًا لتعود إلى فنها». ينطبق ذلك على الكثيرات فى مصر وخارجها، وهناك أمثلة عديدة اختارت التوقف عن مسيرتها الفنية واكتفت بحياتها العائلية وظلت هناك غصة فى الحلق وصلتنا من خلال الرسائل والسير والمكاتابات الخاصة.