فيلم «على من نطلق الرصاص» وقراءة لأنماط المقاومة المحتملة

إنجي خالد أحمد
إنجي خالد أحمد

آخر تحديث: السبت 5 سبتمبر 2026 - 6:15 م بتوقيت القاهرة

ظهر فيلم «على من نطلق الرصاص» للنور عام 1975، لتدور أحداثه الرئيسية فى سياق العهد الناصرى، وتجاوزته إلى العامين الأولين من تولى الرئيس الأسبق محمد أنور السادات الحكم. كتب الفيلم رأفت الميهى وأخرجه كمال الشيخ، وهما من أعمدة صُنّاع السينما المصرية. وعلى حدِّ قول الفنانة فاتن حمامة فى لقاء لها مع الصحفى مجدى الجلاد فى بداية الألفية الثانية، فالسينما المصرية لم تكن تمتلك الشجاعة قط لكشف مساوئ السلطة الحاكمة أثناء أدائها لمهامها، ومن ثم كانت تعمد لانتقادها فى الحقبة السياسية التالية. وقد ضربت مثلًا بالأفلام المنتقدة لسياسات الملك فاروق، والتى ظهرت خلال العهد الناصرى، وكذلك الأفلام التى صُنعت خلال عهد السادات وعرّت إشكاليات حكم جمال عبد الناصر. وبالنظر لتاريخ عرض فيلم «على من نطلق الرصاص»، فيسهل إدراك أنَّ الفيلم المُنتج فى حقبة السادات كان يناقش حقبة جمال عبد الناصر بما فيها من فساد واستغلال للنوايا الحسنة.


عند الحديث عن مفهوم المقاومة فى المقال، فقد اتُّبع تقسيم مختلف عن الأدبيات، وذلك استيحاءً من مفهومى «الحرية السلبية» و«الحرية الإيجابية» اللذين صكّهما المؤرخ والفيلسوف البريطانى، السير «إيزيا برلين». فأما الحرية الإيجابية، فهى الحرية التى لا يمكن أن تتحقق إلا عندما تتخذ الدولة إجراءات تعين على تحققها، مثل حرية التعليم التى تستدعى أولًا أن تبنى الدولة مدارس وجامعات؛ إنها «freedom to». هذا بينما الحرية السلبية هى التى لا تحتاج لحدوثها سوى أن «تمتنع» الدولة عن التدخل فى ممارستها، مثل حرية الرأى التى لا تحتاج سوى ألا تعاقب الدولة من يعلن عن رأيه؛ إنها «freedom from». بالعودة إلى مفهوم «المقاومة» المُتبنى فى المقال، فمن السهل تطبيق هذا التصنيف للحرية عليه. فأما النمط الأول، فهو «المقاومة السلبية»، وهى التى تتحقق عندما «يمتنع» الإنسان عن اتخاذ أى خطوة أو إجراء لإعلان رفضه للوضع الراهن، وهو ما يحدث من خلال الانعزال التام فكريًا أو جسديًا (بالهرب لمكان قصى مثلًا). أما النمط الثانى، فهو «المقاومة الإيجابية» التى تتم عن طريق خطوات معينة «يتخذها» الفرد لإشهار رفضه للوضع الراهن، والذى إما أن يكون مباشرًا (شرعيًا كالإجراءات القانونية المكفولة للمواطن، كاللجوء للقضاء أو الاحتجاجات السلمية/غير شرعى، كاستعمال العنف غير القانونى وصولًا إلى الاغتيال)، أو أن يكون غير مباشر، وهو ببساطة العمد إلى فكرة «الحيلة»، أى الوصول إلى كل ما تبتغيه من تغييرات، ولكن على نحوٍ غير مرئى ووسائل ملتوية. ويمكن القول إنَّ «فيلم على من نطلق الرصاص» تناول أنماطًا عديدة من محاولات المقاومة. فبالفيلم ثلاث شخصيات رئيسية، جرّب كل منهم نمطًا أو أكثر لمواجهة حالة الظلم التى تفشّت خلال العهد الناصرى فى المجتمع المصرى.


• • •
فأما الشخصية الأولى، فهو «مصطفى»، والذى جسّده الفنان المصرى محمود ياسين، والذى كان يحمل فكرًا ومبادئ اشتراكية أثناء العهد الناصرى المتسم بشتى ظواهر الفساد والطغيان. لهذا، فى البداية، كان يلجأ للمقاومة الإيجابية المباشرة بوسائل قانونية، ومنها المظاهرات والاحتجاجات عندما كان طالبًا بالجامعة. إلا أن فساد الحكومة جعلها تعتبر هذه المحاولات غير شرعية ولا يجوز التهاون معها. ولذلك، ففى كل مرة، سقط مصطفى تحت طائلة الاعتقال وتعرّض لأساليب مهينة من التعذيب. وقد ألقت هذه التجارب المتعسرة من اعتقال وتعذيب ظلالها على صحته العقلية والنفسية. وهذا حتى قرر أن يتوجه للمقاومة السلبية من خلال الهرب إلى الواحات لكى يتوقف عن التعرض لكل هذا الألم. وذلك حتى سمع بمقتل صديق عمره «سامى»، والذى لعب دوره الفنان المصرى مجدى وهبة، فى السجن، ومن ثم رجع إلى العاصمة واغتال «رشدى»، والذى كان الفنان المصرى جميل راتب، باعتباره الشخص الذى تآمر لإنهاء حياة هذا الصديق، وبالتالى كان هنا قد صوّر المقاومة الإيجابية المباشرة غير الشرعية من خلال العنف وإراقة الدماء.


أما الشخصية الثانية، فهو «سامى»، والذى كان مهندسًا مسالمًا ووديعًا، وخطيئته الوحيدة فى حياته أنه عمل لصالح رجال غير نزيهين، ومنهم رشدى الذى كان مديره، والذى عندما اتُّهمت شركته بأنها كانت المسئولة عن انهيار أحد المبانى بسبب استخدام مواد إنشائية غير سليمة، اتخذ من سامى كبشًا للفداء وألقى به فى غيابات السجن لتكميم فاه عن النطق بالأعمال الفاسدة التى كان رشدى يقوم بها. وليس ذلك وحسب، بل لقد أرسل رشدى من أهدر دم سامى تمامًا فى الزنزانة عندما لم يصمت واستمر فى محاولات رفع صوته بالحق عن طريق القضاء. هنا يمكن القول بيسرٍ إنَّ هذه الشخصية ظلّت على مرّ الفيلم تنادى بضرورة المقاومة الإيجابية المباشرة الشرعية باللجوء إلى القانون لرد المظالم.


أما الشخصية الثالثة، وهى «تهانى» التى قدمتها الفنانة المصرية سعاد حسنى، فقد كانت مخطوبة لسامى. والحق أنه من الجائز النظر إلى هذه الشخصية باعتبارها تجسيدًا لمصر، وليس للنظام السياسى، والتى كانت تمتلك أحلامًا وردية تريد أن تعيشها مع خطيبها النزيه رغم فقره، وآمالا بالاستقرار معه. فى بادئ ذى بدء، آمنت أن المقاومة الإيجابية المباشرة الشرعية، الممثلة فى اللجوء للقانون، هى الغاية والوسيلة لرأب الصدوع. ودعمت خطيبها، بل وسعت لإحضار محامٍ له، وكلها أساليب مقاومة مباشرة شرعية. لم تستطع التفكير فى أن نظامها السياسى آنذاك كان شديد الانحدار والتدهور، ولا يعتد بالقانون ولا بسلطته. مع ذلك، فقد بقى لديها إيمان بعد وفاة هذا الخطيب بأن الأمر لم يحدث بشكل مقصود لدفن الحقيقة مع سامى، وظلت تريد أن تظن أن رشدى كان أمينًا مخلصًا، ومن هنا وافقت على الارتباط به عندما عرض عليها الفرصة لإخراجها من حزنها وفقرها وتحسين أوضاعها، وتوقفت معه عن افتعال أى مقاومة.


وهذا حتى جاءت هذه الرصاصة من مسدس «مصطفى»، والتى بدأ بها الفيلم، لتحطم هذه الواجهة الهشة أمام عينى «تهانى»/مصر، لتدرك أنها كانت تعيش تحت جناح من سبق واغتال البراءة والنزاهة الممثلة فى «سامى»، ومن ثم عادت للمقاومة من جديد. لم تختر تهانى الطريق السهلة بأن تذهب مع الذاهبين الذين قالوا إن «مصطفى» مجرد معارض سياسى، استخدم الاغتيال لإيصال مطالبه السياسية. بل لقد تقصّت وتحرّت حتى بلغت الحقيقة وعرّت ما حدث: مصطفى لم يقتل رشدى لأغراض سياسية، وإنما انتقامًا من إجهازه على البراءة والسلام الراسخين فى سامى. بدلًا من الاستمرار فى دعم زوجها، تخلّت تهانى عنه أخيرًا وتوجهت للقانون من أجل مقاومته وإنهاء فساده. وبالفعل بلغ صوتها عنان سماء النظام السياسى الجديد، وطُوى سجل هذه المرحلة تمامًا بحصول رشدى على جزائه.


• • •
الحق أنَّ الفيلم بدأ بحادثة إطلاق مصطفى للرصاص على رشدى، وكان هذا بعد موت جمال عبد الناصر والفراغ من فترته الممتدة، والتحول إلى عهد محمد أنور السادات. وتناولت مجريات الفيلم «فلاش باك» وسردًا لماضى الشخصيات ولأصل الحكاية، من خلال التحقيقات والتحريات، وكأنَّ النظام الجديد يستمع إلى عريضة الاتهام بحياد دون أن يعطى رأيه النهائى. ولمّا حانت لحظة الحكم الأخيرة، والتى هى مهمة هذا النظام الجديد، فقد أبدى الفيلم تفاؤلًا وأملًا بالغًا فى أن هذا النظام سيكون مختلفًا عن سابقه، ومستعدًا لتنفيذ حكم القانون واحترام المقاومة الإيجابية المباشرة الشرعية. فبينما رفض النظام البائد الاعتداد بمحاولات المقاومة الشرعية، وجازاها جزاء سوء واحتقار، جاءت رصاصة مصطفى تجسيدًا للمقاومة الإيجابية غير الشرعية، كجرس إنذار لفت النظام الجديد لضرورة التدخل وإعادة الأمور إلى نصابها، وفعلًا رصدها هذا النظام الجديد واتخذ الإجراء السليم. وفى واقع الأمر، فلجوء «مصطفى» للرصاص كان له بعض الدلالات، منها أن اللجوء للمقاومة المباشرة العنيفة يأتى بعد الكثير من القهر الذى لا يتحمله الإنسان، ومن ثم فلا بد من الاحتراس من شدة الظلم منعًا لهذا العنف. أما موته، فهو توكيد على عدم شرعيتها مهما كانت جرسًا للإنذار، والحل هو دائمًا المقاومة الشرعية، والتى لو كان قد علم مصطفى أن النظام الجديد سيحترمها، ما تجشّم عناء المقاومة العنيفة التى كلفته الكثير، وأغلاه هو حياته. طبعًا كان من الواضح أن الفيلم لم يلجأ للمقاومة الإيجابية غير المباشرة المُصوّرة فى «الحيلة»، وهذا ليفسح المجال للمقاومة المباشرة والنظر فى تجسيداتها والجزاءات التى لاقتها، فى مواجهة الجزاءات التى كان من المفترض أن تلاقيها، خاصة وأن «مصطفى» و«سامى» كانا مواطنين صالحين يحلمان بدولة قانون عادلة. والسؤال الأول والأخير فى الفيلم: «على من نطلق الرصاص؟»، والذى يمكن الإجابة الأولى عنه – وما زالت الخيارات الأخرى متعددة – أن نظامًا سياسيًا لا يقبل النقد المشروع المباشر من مواطنيه الصالحين، ويدفعهم فى النهاية للانهيار وللجوء للعنف لانتزاع الحق والثأر، هو نظام حرىّ أن يُطلق الرصاص عليه.


مدرس مساعد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved