سد النهضة وقضية تايوان.. الاتزان الاستراتيجى فى العلاقات المصرية - الصينية
أحمد عبد ربه
آخر تحديث:
السبت 5 سبتمبر 2026 - 6:15 م
بتوقيت القاهرة
وصل الرئيس الصينى شى جين بينج إلى القاهرة مساء الأول من سبتمبر فى زيارة دولة استمرت يومين، هى الأولى له إلى مصر منذ عشر سنوات، وتزامنت مع مرور سبعين عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين. وكانت القاهرة المحطة الأخيرة فى جولة بدأها شى فى قرجيزستان، حيث شارك فى قمة منظمة شنغهاى للتعاون، قبل أن يعود إلى بكين فى الثالث من سبتمبر. وفى القاهرة عقد مباحثات رسمية مع الرئيس عبد الفتاح السيسى فى قصر الاتحادية، وشهدت الزيارة توقيع عدد من الاتفاقات ومذكرات التفاهم، وصدر فى ختامها بيان مشترك حول تعميق الشراكة الاستراتيجية الشاملة.
• • •
وسط ملفات الاقتصاد والاستثمار والتكنولوجيا والأمن الإقليمى، كان الموقف المصرى من قضية تايوان بارزًا وملفتًا. فقد أكد الجانب المصرى «مواصلة الالتزام الثابت بمبدأ الصين الواحدة»، وأن «تايوان جزء لا يتجزأ من أراضى جمهورية الصين الشعبية»، ودعم موقف بكين فى القضايا المتعلقة بسيادتها ووحدة أراضيها و«تحقيق إعادة توحيد الصين». واللافت أن هذه العبارات وردت فى البند نفسه الذى أكدت فيه الصين إدراكها للأهمية الحيوية لنهر النيل بالنسبة لمصر وحق القاهرة فى حماية أمنها المائى والغذائى ومصالحها التنموية، ودعا البلدان دول حوض النيل إلى الالتزام بالقانون الدولى وعدم التسبب فى ضرر، فى رسالة مباشرة وواضحة بخصوص موقف الصين من قضية سد النهضة.
هذا الموقف المصرى من تايوان ليس جديدًا، بل هو من أكثر مواقف السياسة الخارجية المصرية استمرارية منذ خمسينيات القرن الماضى. فبعد تأسيس جمهورية الصين الشعبية (الشيوعية) فى أكتوبر ١٩٤٩، ظلت القاهرة فى البداية تعترف بحكومة جمهورية الصين التى انتقلت إلى تايوان. ثم بدأت نقطة التحول فى منتصف الخمسينيات، عندما كانت مصر الناصرية تعيد صياغة علاقاتها الدولية بعيدًا عن الاصطفاف الكامل مع الغرب. وكان لقاء جمال عبد الناصر برئيس الوزراء الصينى تشو إن لاى فى مؤتمر باندونج فى أبريل ١٩٥٥ محطة مهمة فى التقارب بين البلدين.
وفى مايو ١٩٥٦ اتخذت القاهرة القرار الحاسم. ففى الوثيقة رقم ٣٥٢ من سلسلة «العلاقات الخارجية للولايات المتحدة، ١٩٥٥–١٩٥٧» الصادرة عن أرشيف وزارة الخارجية الأمريكية، فى المجلد الخامس عشر الخاص بالنزاع العربى الإسرائيلى، نجد برقية سرية أرسلها السفير الأمريكى فى القاهرة هنرى بايرود إلى وزارة الخارجية فجر ١٧ مايو. ويبدأ بايرود البرقية بتسجيل اتصال سفير جمهورية الصين (تايوان) فى القاهرة آنذاك، فنج شان، به بعد إعلان مصر فى الليلة السابقة اعتزامها الاعتراف بجمهورية الصين الشعبية. وفى ٣٠ مايو أقامت الدولتان العلاقات الدبلوماسية رسميًا، لتصبح مصر أول دولة عربية وإفريقية تفعل ذلك.
• • •
وقد كان رد الفعل الأمريكى حادًا. فنجد فى الوثيقة التالية مباشرة، رقم ٣٥٣، محضر اجتماع عقد فى واشنطن فى ١٧ مايو بين وزير الخارجية الأمريكى جون فوستر دالاس والسفير المصرى أحمد حسين. قال دالاس إن الاعتراف المصرى بالصين الشيوعية أثار «رد فعل عنيفًا للغاية» فى الكونجرس وجعل العلاقات مع القاهرة أكثر صعوبة. وعندما سأله أحمد حسين عن تمويل السد العالى، أجاب بأن المساعدة أصبحت شديدة الصعوبة سياسيًا، مشيرًا إلى الغضب الناتج عن عدة ملفات، من بينها الاعتراف بالصين. لا يعنى هذا أن القرار وحده أدى إلى سحب عرض تمويل السد فى يوليو ١٩٥٦، فالأسباب كانت أوسع، لكنه يثبت أن مسألة الصين كانت جزءًا فعليًا من أزمة أكبر بين القاهرة وواشنطن فى تلك المرحلة.
ظل الموقف المصرى بخصوص تايوان ثابتًا بعد ذلك، ففى ٢٥ أكتوبر ١٩٧١ صوتت مصر لمصلحة قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم ٢٧٥٨، الذى أعاد حقوق جمهورية الصين الشعبية فى الأمم المتحدة واعترف بممثلى حكومتها باعتبارهم الممثلين الشرعيين الوحيدين للصين فى الجمعية العامة والمقعد الدائم فى مجلس الأمن. أُقر القرار بأغلبية ٧٦ صوتًا مقابل ٣٥ وامتناع ١٧ دولة، وكان المندوب الدائم لمصر فى الأمم المتحدة آنذاك السفير محمد حسن الزيات. وهنا يجب التمييز بين أمرين: القرار، كما يظهر من نصه الرسمى ومحضر الجلسة رقم A/PV.1976، حسم مسألة من يمثل «الصين» فى الأمم المتحدة، لكنه لا يذكر تايوان بالاسم ولا يتضمن نصًا صريحًا يقرر وضعها السيادى. بكين تعتبر القرار تأكيدًا لمبدأ الصين الواحدة، بينما ترفض تايوان والولايات المتحدة وعدد من الدول الغربية استخدامه باعتباره حسمًا قانونيًا لوضع الجزيرة النهائى.
لكن الموقف المصرى لم يتغير أبدًا. ففى يوليو ١٩٩٧ تقدمت مجموعة من الدول بالوثيقة A/52/143، طالبت فيها بإعادة النظر فى القرار ٢٧٥٨ على أساس ما وصفته بـ«التعايش بين حكومتين عبر مضيق تايوان». وعندما ناقشت اللجنة العامة للأمم المتحدة الطلب فى ١٧ سبتمبر، وبعد نقاش شارك فيه ٤٧ متحدثًا، سجل البيان الرسمى للأمم المتحدة رقم GA/9299 أن ممثل مصر قال إن مسألة تمثيل الصين «حُسمت بصورة نهائية وحاسمة» بالقرار ٢٧٥٨، وإن مصر تعارض إعادة فتحها.
• • •
واستمر الخط نفسه فى الألفية الجديدة، ففى مقابلة مع وكالة شينخوا فى يناير ٢٠٠٢، قبيل زيارة له إلى الصين، قال الرئيس الأسبق مبارك إن مصر تدعم وحدة الأراضى الصينية وإن موقفها فى المحافل الدولية ثابت. وعندما سُئل عن تقارير تفيد بأن سلطات تايوان تعتزم فتح مكتب تجارى فى القاهرة، قال إن هذه التقارير «غير صحيحة تمامًا». ثم دخلت العلاقة مرحلة أكثر مؤسسية فى ديسمبر ٢٠١٤، عندما وقع الرئيس السيسى وشى خلال أول زيارة للرئيس المصرى إلى بكين البيان المشترك بشأن إقامة الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين جمهورية مصر العربية وجمهورية الصين الشعبية.
ومع السيسى تكرر التأكيد على مبدأ «الصين الواحدة» فى التصريحات والبيانات الرسمية المصرية. ففى أغسطس ٢٠٢٢، بعد زيارة رئيسة مجلس النواب الأمريكى نانسى بيلوسى إلى تايوان، قال السيسى إن لمصر «سياسة ثابتة» تجاه تايوان وإنها تدعم الصين الواحدة، لكنه ربط ذلك بالحفاظ على الأمن والاستقرار العالميين، وأعرب عن أمله فى عدم تصعيد الأزمة. ثم جاء البيان المصرى الصينى الصادر فى ٢٩ مايو ٢٠٢٤ ليستخدم تقريبًا الصياغة نفسها التى ظهرت فى بيان سبتمبر ٢٠٢٦: تايوان جزء لا يتجزأ من الصين، ومصر تدعم موقف بكين بشأن السيادة ووحدة الأراضى و«تحقيق إعادة توحيد الصين». ولذلك فحتى الصياغة الحالية ليست تحولًا جديدًا، وإنما استمرار موثق لموقف سبق الزيارة الأخيرة بسنوات.
الجديد إذن ليس الموقف المصرى، ولكن الجديد هو السياق الدولى الذى تؤكد مصر فيه التأكيد على المبدأ. فتايوان أصبحت واحدة من أخطر نقاط الاحتكاك بين الولايات المتحدة والصين، فى ظل زيادة النشاط العسكرى الصينى حول الجزيرة. وفى الأسبوع نفسه الذى زار فيه شى القاهرة، أعلنت بكين أنها أجرت خلال أغسطس مسحًا لقاع البحر فى المياه شرق تايوان، بينما اعترضت الأخيرة واعتبرت الخطوة جزءًا من توسيع الصين مطالبها بالسيادة!
ومع ذلك، من الصعب اعتبار الموقف المصرى تنازلًا حديثًا لبكين فى مقابل موقف الأخيرة من سد النهضة، أو ثمنًا للاستثمارات الصينية. القاهرة اعترفت بجمهورية الصين الشعبية عام ١٩٥٦، قبل أن تعترف بها الولايات المتحدة رسميًا بأكثر من عقدين، وتحملت وقتها جزءًا من كلفة هذا القرار. كما أن الاستمرار المصرى فى دعم الصين الواحدة عبر عهود عبد الناصر والسادات ومبارك والسيسى يعطى هذا الموقف أساسًا تاريخيًا مستقلًا عن ميزان القوى الحالى.
• • •
لكن علينا أن نلاحظ هنا أن هذا التاريخ لا يلزم مصر بتأييد أى وسيلة تختارها بكين لحل قضية تايوان. هناك فرق بين الاعتراف بمبدأ الصين الواحدة وبين منح تأييد مسبق لاستخدام القوة. ومصر، التى وصف البيان الأخير سياستها بأنها تقوم على «الاتزان الاستراتيجى»، ليست لها مصلحة فى التحول إلى طرف فى المواجهة الصينية الأمريكية. كما أن زيارة شى نفسها يمكن قراءتها فى إطار سعى القاهرة إلى تنويع علاقاتها مع القوى الكبرى، لا استبدال الولايات المتحدة بالصين. وهذا، فى تقديرى، هو الإطار الأنسب أيضًا لموقف تايوان: الاستمرار فى السياسة المصرية التاريخية، مع تأكيد واضح أن التسوية يجب أن تكون سلمية.
فى ١٩٥٦ اتخذت مصر قرار الاعتراف ببكين وهى تعرف أن واشنطن ستغضب منه، وتظهر الوثائق الأمريكية مقدار ذلك الغضب. وبعد سبعين عامًا أصبحت الصين قوة عالمية، واتسعت العلاقة المصرية الصينية إلى الاقتصاد، والاستثمار، والتكنولوجيا، والأمن. لكن الاختبار الحقيقى للسياسة المصرية يظل قريبًا مما كان عليه: أن تكون العلاقة مع بكين وسيلة لتوسيع خيارات مصر، لا سببًا للدخول فى اصطفاف جديد. دعم الصين الواحدة له جذوره الواضحة فى السياسة المصرية، أما الانخراط فى مواجهة حول تايوان فليس من مصلحة مصر ولا من مصلحة المنطقة.
أستاذ مشارك العلاقات الدولية، والمدير المشارك لمركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة دنفر