روح أكتوبر

بشير عبد الفتاح
بشير عبد الفتاح

آخر تحديث: الإثنين 5 أكتوبر 2026 - 7:25 م بتوقيت القاهرة

يشير تعبير «روح أكتوبر» إلى مخزون الطاقة الإيجابية، التى يفوح أريجها بباقة من القيم الإنسانية النبيلة، والمبادئ الوطنية السامية، على شاكلة: الحماس، العزيمة، الصبر، الكفاح، التفانى فى أداء الواجب، التضحية، الفداء، الإيثار، الانتماء للوطن، والثقة فى بلوغ الغايات. تلكم التى تفتأ تنبعث من ملحمة الانتصار العسكرى المبهر، فى أكتوبر 1973. ذلكم الذى سطّرت صفحاته الناصعة، وبمداد من دم وذهب، قواتنا المسلحة الباسلة؛ بإسناد من شعبنا الأبى الأصيل، ومدد وتأييد من ربنا نعم النصير، الذى لا يضيع أجر من أحسن عملًا.


أطاح أول انتصار عسكرى فعلى للعرب على الإسرائيليين، خلال القرن العشرين، بمخطط تل أبيب الشيطانى؛ الهادف إلى تكريس «ثقافة الهزيمة»، وبث «الروح الانهزامية» فى نفوس المصريين والعرب، على وقع ما جرى فى يونيو 1967.

فلقد أسقط الهجوم المفاجئ والنصر المزلزل، من لدن المصريين والسوريين، نظرية الردع الإسرائيلى التقليدى. ورغم اتفاق جمهور المفكرين الاستراتيجيين على أن الردع النووى، قد لا يستتبع، بالضرورة، تحصين الدولة المالكة للسلاح النووى، استراتيجية استخدامه، ومنظومات إطلاقه وتوجيهه، ضد أى هجوم أو حرب تقليدية؛ بقدر ما يفترض أن يحول دون تعرض تلك الدولة، أو مصالحها الحيوية، لأى تهديد وجودى. بيد أن السلاح النووى الإسرائيلى، أخفق فى تكبيل الإرادة الحربية المصرية أو إعاقتها عن إطلاق حربها العادلة لاسترداد الكبرياء القومى، واستعادة الكرامة الوطنية؛ عبر تحرير الأرض المغتصبة من براثن العدو الغاشم.


سلطت حرب رمضان العظيمة، الضوء على مدى صلابة اللحمة الوطنية للأمة المصرية. على نحو ما بدا جليًا فى التماسك العضوى العبقرى والمتناغم للجبهة الداخلية، والتلاحم الإنسانى الخلاق ما بين الشعب وكل من جيشه وشرطته.

فخلافًا لما هو متعارف عليه عالميًا، فى زمن الحرب؛ لم تسجل أقسام الشرطة المصرية أى جريمة، كما انعدمت شكاوى شح السلع، واحتكارها، أو ارتفاع أسعارها.

فيما اصطفت مؤسسات الدولة وجميع فئات وطوائف الشعب، تحت راية التزام وطنى صارم بالانضباط، والإجماع الجاد على تحرير الأرض ودحر المعتدى. ولم تتوانَ الجماعة الوطنية عن تكريس جهودها كافة، لمساندة قواتها المسلحة؛ حيث تبارى الجميع فى دعم المجهود الحربى، بغير كلل ودونما تقاعس. سواءً من خلال التبرع بالدم والمال أو بذل الجهد، وتقديم كل سبل المساندة، حتى ولو من خلال الإبداع الفنى والأدبى.


بمداد من نور، سطرت حرب أكتوبر المجيدة لحظة تاريخية استثنائية فارقة فى مسيرة العمل العربى المشترك. تراءت أروع ملامحها فى إرساء الدعائم الراسخة للأمن القومى العربى. ففى نموذج رائع ومُلهم للتنسيق الخلاق والتعاون الاستراتيجى البناء، من أجل تطهير سيناء المصرية، والجولان السورية، من دنس الاحتلال الإسرائيلى.

اتفقت القاهرة ودمشق، على توحيد يوم بدء العمليات العسكرية المشتركة، فى السادس من أكتوبر 1973، وكذا ساعة الصفر، فى الثانية من ظهر ذات اليوم. وتم تتويج القرار المصري-السورى الجسور والتاريخى بالهجوم، بإسناد سياسى، وعسكرى، واقتصادى عربى منقطع النظير.

فإبان العمليات، أقدمت الدول العربية المنتجة للنفط على إصدار قرار بحظر تصديره إلى الدول المتحاملة على العرب والداعمة لإسرائيل. ولم تكترث شعوب تلك الدول أو قياداتها الشجاعة بالتهديدات الغربية المتلاحقة، التى كانت تطاردها. فلم يكن يساور أبناء العروبة، حينئذ، أدنى شك فى أن الأمن القومى العربى، الذى هو، فى الأساس، حاصل جمع الأمن الوطنى لكل دولة عربية على حدة؛ لا يمكن أن يتأتى أو تترسخ دعائمه، من دون تحرير الأراضى العربية المحتلة قاطبة.


أسهمت «روح أكتوبر» فى إعادة صياغة الأمن القومى العربى، بصورة تؤكد على الترابط العضوى بين أمن الدول العربية وأمن شعوبها. بما يستلزم توحيد الرؤى عند إدراك التهديدات المشتركة؛ سواء تمثلت فى إسرائيل ودول الجوار غير العربية أو أطماع القوى الكبرى فى مقدرات الأمة العربية، أو الجماعات الإرهابية المتحالفة مع القوى الخارجية. كما يتطلب التوافق بشأن السياسات الأمنية الفاعلة فى ظل ظروف دولية وإقليمية مضطربة، غير مواتية وربما عدوانية.


اقتضت الظروف التاريخية والمعطيات الجيوسياسية، أن تبقى منطقتنا أسيرة «معضلة أمنية»، سبق وأن أصّل لها عالم السياسة الألمانى، جون هيرز، عام 1951، فى مؤلفه الماتع، المعنون: «الواقعية السياسية والمثالية السياسية». حيث تفترض النظرية أن محاولات الدولة حماية نفسها وتعزيز أمنها الذاتى، من خلال الإفراط فى التسلح؛ تؤدى، بغير قصد، إلى تفاقم شعور الدول الأخرى بالتهديد وانعدام الأمن؛ بما يجرفها إلى سباق تسلح، لمجاراة تلك الدولة، والحفاظ على توازن القوى معها.

واليوم، تتراءى «المعضلة الأمنية»، أو «المأزق المطلق»، كما أسماه عالم السياسة البريطانى، هيربرت باترفيلد؛ فى تنافس محموم بين مشاريع النفوذ التوسعية الإقليمية لكل من إسرائيل، وتركيا وإيران. ويتزامن ذلك التنافس مع تفاقم الأطماع التوسعية الإسرائيلية، المصحوبة بشغف عارم للعدوان، ونهم مسعور للتسلح التقليدى، وغير التقليدى، علاوة على عسكرة الفضاء.

الأمر، الذى يقابله سعى اضطرارى حثيث من دول المحيط، لمواكبة ثورة التسلح الإسرائيلية أو تقليص الفجوة معها. ابتغاء تحقيق توازن القوى والمصالح، الذى، بدونه، لا يترسخ السلام والاستقرار المستدامان.
فى سفره المعنون: «كيف تنجو فى عالمٍ معادٍ؟!»، الذى أصدره العام الماضى، يذهب الأكاديمى والمفكر الاستراتيجى البريطانى، باتريك بورتر، إلى التحذير من التراخى الاستراتيجى فى عالم متعطش، بشكل دائم، وعلى نحو غريزى، للصراعات والنزاعات المسلحة.

فما إن وضعت الحرب الباردة أوزارها، إثر انهيار الاتحاد السوفييتى عام 1991، حتى انبرى منظرون كُثُر فى التبشير ببزوغ عصر «السلام الدائم»، الذى تحفه حرية التجارة وتظله الحوكمة الدولية.

غير أن مآلات الأمور، أثبتت لاحقًا أنها كانت لحظة عابرة مفعمة بالأمنيات النبيلة، فى غفلة من الزمن. فسرعان ما تنبعث الصراعات الكبرى دائمًا؛ كون الجغرافيا لا تتغير، فيما لا يتوارى النزوع البشرى نحو الهيمنة. وفى هذا السياق، يُسلط المفكرون الاستراتيجيون الضوء مجددًا على مفهوم «ظل الحرب»؛ الذى يتجاوز نشوب الحروب الفعلية، ليضىء على حالة دائمة من التوتر الكامن، تلازم العلاقات الدولية، حتى فى زمن السلم الظاهرى المؤقت. فالعالم لا يعيش سلامًا حقيقيًا، بقدر ما يصادف هدنات مؤقتة، يظل فيها احتمال الصراع حاضرًا فى الخلفية؛ ليؤثر فى كل قرار اقتصادى أو دبلوماسى. والمدهش، أن هذا «الظل» غير المرئى يحكم سلوك الدول، التى تسعى إلى حماية نفسها؛ ليس فقط من التهديدات القائمة، بل ومن تلك المحتملة أيضًا.

وهو ما يبرز بوضوح فى «معضلة الأمن»؛ فحين تعزز دولة أمنها عبر التسلح، تثير قلق جيرانها؛ فيسارعون بدورهم إلى التسلح؛ لتنشأ حلقة مفرغة من الشك وانعدام الثقة. ومن ثم، يعيد الخبراء تعريف السلام بوصفه نتيجة لتوازن القوى، وليس حسن النيات. حيث يتحقق الاستقرار عبر «الردع المتبادل»، وإدراك كل طرف أن كلفة الحرب ستكون باهظة. فبحسب المدرسة الواقعية فى العلاقات الدولية؛ يبقى السلام، فى الأساس، نتاجًا لحالة من التعادل فى الخوف بين طرفين.


مضت ملحمة العبور العظيم، وبقيت نزالات أخرى، فى ميادين شتى، وبأدوات مغايرة، مع نفس العدو، وآخرين على شاكلته. ففى عالم أضحى أكثر غموضًا وأشد اضطرابًا، إذ تكتنفه أجواء عدم اليقين الاستراتيجى؛ تبدو مصرنا بل وأمتنا العربية جمعاء، فى مسيس الحاجة إلى استحضار روح أكتوبر 1973. من أجل التصدى لطوفان التحديات والأزمات التى تحيط بأبناء العروبة، إحاطة السوار بالمعصم، حيث تشعرنا تلك الروح الملهمة، أن المستحيل يغدو ممكنًا، مع الإصرار، الصبر، حسن التخطيط، ممارسة النقد الذاتى البناء، التفانى فى العمل الجماعى، زيادة منسوب الإيمان واليقين فى نصر الله، توحيد الصف، حسن التدبير، إعلاء المصلحة الوطنية فوق أى حسابات شخصية، فئوية، طائفية أو قُطرية. كما تعلمنا تلك الروح العظيمة، أن الفجوة فى ميزان القوة مع المعتدى، مهما اتسعت؛ لا يمكن أن تعوق صاحب الحق والعزيمة عن مواصلة دربه، وبلوغ غايته باسترداد ما سُلب منه.

فلن يتسنى لأمتنا عبور الأزمات التى تتربص بها، وتجاوز التحديات والصعاب التى تحاصرها، وتخطى المؤامرات التى تحاك من أجل حرمانها تبوأ المكانة الجديرة بها فى عالم اليوم. من دون استعادة روح التضامن، التى تمظهرت أبهى صورها، فى ملحمة الفخار والعزة الأكتوبرية الخالدة.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved