فات الميعاد

رباب نبهان
رباب نبهان

آخر تحديث: الإثنين 5 أكتوبر 2026 - 7:30 م بتوقيت القاهرة

وارتعد جسدى خوفًا حين نظرتُ إلى معصمى فوجدتُه خاليًا، وانتفضتُ من مجلسى فزعةً، حتى ظنَّ من حولى أن حشرةً قد لدغتني، وصرتُ أبحث ملهوفةً فى كل ناحية بلا هداية، ولم أترك درجًا أو جحرًا إلا ونبشتُه، حتى شعرتُ بخيبة أملٍ ورجاء، وانزويتُ فى إحدى الزوايا المعتمة بمنزلى، حتى أَنْفَرِدَ بنفسى وأجلدها، وألومها على غفلتها: وكيف لها أن تُفرِّط فى ذكرى لم ولن يهبها لها القدر مرةً أخرى؟


• • •
وبعد أن هدأتُ قليلًا كى أَمنحَ الفرصةَ لأفكارى حتى تترتّب، فإذا بى أخطو مسرعةً نحو إحدى الغرف التى سبق أن بدّلتُ ملامحها، حتى وجدتُ بصيصًا من نورٍ قد جاء من شعاعٍ يتلألأ، فوجدتُها، وأمسكتُ بها كما لو كنتُ أقبض على جمر نارٍ حنونة أشعلت الدفء بقلبٍ قد كاد من الخوف أن يتجمّد.


لم أتذكر حين خلعتُها، ولكن ذاكرتى قد تيبَّست عند لحظة واحدة، ويوم واحد، ورجل واحد.


• • •
ابتسم فى وجهى خجلًا حين أعطانى علبةً محكمة الغلق، ولم ينبس بكلمة واحدة، واعتمد على إدراكى الذى حُدِّدتْ أَسْقُفُهُ، وذكائى الذى انحدر، واكتفيتُ بابتسامةٍ بلهاء لم تكن أكبر من ابتسامة طفلة أعطوها عروسةً من حلوى، وأمروها ألا تتذوّقها.


• • •
مَسٌّ من التيار قد سرى فى جسدى الذى أخذ يعاندنى ويسير فى الاتجاه المغاير، ويدى التى انفلتت عنى، فأخذت تفتح العلبة، وبكل لهفةٍ وتلكؤٍ حتى لا يَتَسَرَّبَ الزمن وتنقضى اللحظة وينقطع التيار فى وريدى.


كما لو كانت الأنوار قد انطفأت من حولى، وانبعث الضوء من سوارٍ من اللؤلؤ المتراص كما تتراص حبات الرمان، ويفوقها جمالًا وبريقًا، وكلما تحركت به يدي، كلما تراقص وتهامس فى أذنى حتى سمعته.


• • •
أما هو فقد كان يتابعنى وأنا أضع السوار فى يدي، وأبالغ فى غلقه خشية أن يقع منى أو ينسدل، وأجاهد نفسى حتى لا أنظر إليه، فكنتُ أعلم جيدًا أن كلينا غير مؤهلٍ لما سوف ينطق به اللسان، وقررتُ أن أنهى تلعثمي، وانفكَّ لسانى بحثًا عن قصص أخرى، وأنصتُ له جيدًا وهو يروى حكايات لم تكن هى الأصل، ولكنها منجية من اعتراف أخشاه... ولأول مرة استطعتُ أن أكبح جماح قلبٍ كلما اتكأت عليه نفسى أرداها أرضًا.


• • •
وما بين نظراتِ عينى التى فقدتُ لجامَها ولسانى الذى انطلق رشيدًا، أحكمتُ خيوط العنكبوت، فوقع فيها حبيسًا حائرًا، مما زادنى قوة، فبلغتُ من الحكمة حدَّ النصيحة، وصرتُ أتحدث من منبر العقلاء، وأنا أرشده بأن يتمهل ويعود إلى الخلف قليلًا، ربما وجد فى معبده ما يستحق البناء أو الترميم.


• • •
اتفقنا أن ننتظر أربعين يومًا، نُمسك فيها عن الكلام... أنا أؤمن بالأربعين، وأجد فيها الخلاص كما وجد فيها نبى الله موسى ميقاته. أربعون قادرة على برء الجراح، وعلى أن تسترد الأرض عافيتها، فتُخرج نباتًا حسنًا، حتى يأتينى بقلب سليم... هكذا وعدتنى نفسى المراوغة، وهكذا عقدتُ العهد معه على نفسى.


• • •
كانت الأربعون له استشفاءً، وكانت لى شقاءً؛ فلم تكن تمضى كما تمضى الأيام، وأقسم أن وحدة اليوم قد تضخمت، حتى غدت أربعةً وعشرين دهرًا...


وكلما خانتنى أصابعى، ووجدتُها تتسلل إلى الكلمات، أوقفتُ زرَّ الإرسال فى اللحظة الأخيرة، ومحوتُ الكلمات.


حتى صرتُ أراه يكتب هو الآخر فى اللحظة نفسها؛ فإذا رأى كلماتى تُمحى، أخمد البوح، وتعثر.


• • •
وبعد أن شاب منبت شعري، مضت الأربعون ثقالًا، ولكنها مضت؛ ورأيت الفجر الذى نسيتُ سناه.
أوقفتنى مرآتى مرارًا؛ فكلما تركتُها وهممتُ أن أذهب إليه، نادتنى، وكلّفتنى بمهام أخرى:


«عيناك تحتاجان إلى قليل من التحديد، وشعرك ينقصه التهذيب، ووجهك يرغب فى المزيد من الألوان حتى يُدارى شحوبه وضعفه، وارفعى الكم قليلًا حتى يظهر السوار».


• • •
وأدرتُ لها ظهرى حين ظهر، وهلّت البشارة، ورنَّ هاتفي، وجاء صوته يبحث عن ماءٍ يروى الظمأ، ولن يروى كلانا سوى اللقاء؛ فرجوته أن يُبقى الكلمات إلى موعدها، فبعد قليل سوف تتسع الدنيا، ويتسع اللقاء.


• • •
ألقيتُ جسدى إلى ظلٍّ يخفى لهفتى، وأدرتُ وجهى عمّن حولى حتى لا يعلموا؛ فلا أحب أن يرانى أحدٌ سواه، وهو أولى وأحق بأن يُفَضَّ بكارةَ وجهى.


أشعر أنه قد تأخر قليلًا، وقد بدأت الظنون تساورنى، وانتزعتها فى الحال، فأنا أعلم لعبة الزمن اللعينة التى تعدُّ عليه ما مضى من أيام... هو حتمًا فى طريقه إلىَّ، ولا يعرف طريقًا فى الدنيا سواى…


• • •
انقبض قلبى، وسمعت دقاته، ولم تكن تلك هى الدقات التى كنت أنتظرها، ولا هى تلك اللهفة التى أعرفها... زحامٌ وضجيجٌ من حولى، وأناسٌ تتحرك فى كل اتجاه، وأصواتٌ تعلو ولا أعيها، حتى ظهر من بينهم رجلٌ يرفع يده عاليًا بحقيبةٍ أعرفها جيدًا، ويسأل عن صاحبها الذي...


ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وبلا حولٍ ولا قوةٍ لى، تزحزحت قدماى، وخطوت نحوه، وقبل أن ألمس الحقيبة حاولتُ أن ألتقط أنفاسى، ولكن الأرض مادت بى فتهاويتُ، ولم أَعِ سوى أصواتٍ تهتز بداخلى…


• • •
كنتُ أغبى المخلوقات حين تعقّلت، وحين ترددت، وحين أوقفتُ الكلمات فى حلقه، وحين رجوته أن يُبقيها،


وحين أمهلتُه الأربعين.
ليتنى ما فعلت... ليتنى طاوعتُ قلبى، ليتنى له استسلمت... ليتنى عشتُ معه آخر أربعين فى عمره وفى عمرى…

 

 

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved