6 أكتوبر.. «عرق البيوت»
طلعت إسماعيل
آخر تحديث:
الإثنين 5 أكتوبر 2026 - 7:41 م
بتوقيت القاهرة
اليوم نحتفل جميعًا بالذكرى الـ53 ليوم العبور العظيم فى السادس من أكتوبر 1973، وهى مناسبة يجب ألا تقتصر على استدعاء العواطف الوطنية، والمشاعر الحماسية فقط، فقد تركت هذه الحرب العديد من الدروس والعبر، التى نحتاج إلى تأملها، ونحن نواجه فى اللحظة الراهنة حزمة من التحديات الداخلية والخارجية.
ما أحوجنا فى الوقت الراهن إلى استعادة بعض من روح المصريين الذين واجهوا بعد هزيمة يونيو 1967 أيامًا وليالى ربما كانت الأصعب على ذلك الجيل الذى قدم العرق والدم لتحرير التراب الوطنى، من أجل استعادة ثقة فى نفس كادت تتلاشى ويعشعش بدلًا منها اليأس والقنوط.
وحين نستعيد ما جرى فى السادس من أكتوبر، تتقدم إلى الذاكرة صور الجنود، وهم يعبرون قناة السويس، ودخان المعركة يتصاعد فوق الضفة الشرقية، والعلم المصرى يرتفع على مواقع العدوالإسرائيلى، لكن هذا المشهد ليس كل الحكاية.. خلف هذا المشهد كان عرق البيوت حاضرًا، تلك البيوت التى عاش أصحابها سنوات ما بين هزيمة يونيو 1967 وعبور أكتوبر 1973، وهم ينتظرون شيئًا كبيرًا يحدث، لكنهم لا يعرفون متى تأتى لحظة المواجهة.
ووفقًا لما يقوله الفريق أول محمد فوزى، وزير الحربية ومهندس حرب الاستنزاف، فى كتابه «حرب أكتوبر 1973.. دروس وعبر» فقد تأكدت الضرورة لمعركة تحرير الأرض المغتصبة منذ أن رفض الشعب المصرى هزيمة يونيو 1967 على أساس أنها لا تعبر التعبير الصحيح عن حقيقة توازن القوى بين العرب وإسرائيل.
لهذا، والكلام للفريق أول محمد فوزى، رحمه الله، طالبت الجماهير يومى 9، و10 يونيو 67 الرئيس عبدالناصر بالتمهيد لمعركة تحرير تتهيأ لها أسباب النجاح وتفتح الباب لمستقبل مشرق للشعب والأمة العربية، وبالتالى كانت هناك سنوات طويلة من الانتظار والاستعداد، عاشتها البيوت المصرية بدأت بعد الهزيمة، ومرت بحرب الاستنزاف، وإعادة بناء القوات المسلحة، تحمل خلالها المصريون جميعًا أعباء اقتصادية واجتماعية ثقيلة.
خلال تلك السنوات لم يكن الجيش وحده هو الذى يستعد بعد يونيو بل كانت تشاركه أم تودع ابنها المجند ولا تعرف متى يعود، وأب يواصل عمله فيما أحد أبنائه بعيد عن البيت، وزوجة تعيش على رسالة، أو زيارة قصيرة، وأسرة تحاول أن تبدو قوية أمام الأطفال، بينما القلق يسكن تفاصيل يومها.
البيوت المصرية التى صمدت، وأخفت الأحزان، وذرفت الدموع بعيدًا عن الأنظار، لم تظهر فى صور النصر، فالحرب لم تبدأ فى 6 أكتوبر 1973، و بالنسبة إلى المصريين، كل مواطن دفع بطريقته على مدى سنوات طوال ثمن الاستعداد للحرب.
العامل فى مصنعه، والمهندس الذى عمل على تجهيزات الحرب، والموظف الذى واصل عمله، والفلاح الذى واصل زراعة الأرض والطالب الذى كان يتلقى تدريبات الدفاع المدنى، والأسرة التى تتكيف مع شح سبل العيش بعد تقنين استهلاك بعض السلع الأساسية، الجميع دفع نصيبه من العرق والصبر الجميل.
هنا تكمن إحدى أهم قصص أكتوبر التى لا تحظى بما تستحق من الاهتمام، لم يكن أحد يعرف يوم النصر، لكن الجميع كان يدفع ثمن الوصول إليه، لم تكن الأسرة تعرف متى يعود الابن من وحدته، ولا العامل يعرف متى تنتهى سنوات التعب، ولا المواطن يعرف متى تنتهى حالة الطوارئ غير المعلنة التى فرضتها سنوات الحرب والاستنزاف، ومع ذلك استمرت الحياة.
فى السادس من أكتوبر ارتفع العلم المصرى فوق سيناء، بينما كانت خلفه ملايين الحكايات الصغيرة التى لم يعرف أصحابها أنهم جزء من المشهد الكبير، لهذا ينبغى ألا نتذكر أكتوبر باعتباره يومًا واحدًا فقط بل أيامًا وشهورًا وسنوات من العرق والجهد الذى تحملته كل البيوت فى مصر، وهؤلاء يجب أن نستدعى صمودهم، ونتذكر تضحياتهم مع كل ذكرى تتجدد لنصر السادس من أكتوبر عامًا وراء عام.
نصر أكتوبر لم يصنع يوم السادس من الشهر ذاته عام 1973، فالسادس من أكتوبر كان لحظة ظهور النتيجة أمام العالم، أما العمل الحقيقى فقد بدأ فى السنوات التى لم يكن فيها أحد يعرف متى ستأتى لحظة الحرب، لكن كان الجميع على استعداد لتحمل نصيبه من تكلفتها.
وفى الأخير.. النصر العسكرى له أبطاله المعروفون، لكن المجتمع المصرى كله كان يعيش امتحانه الخاص، قبل أن يعبر المقاتلون قناة السويس فى مثل هذا اليوم من شهر أكتوبر عام 1973.