عن التقويم القبطى
نيفين مسعد
آخر تحديث:
الخميس 5 نوفمبر 2026 - 9:25 م
بتوقيت القاهرة
يؤكد الكاتب الدكتور تامر ممدوح شفيق على حقيقة معروفة هى أن التخصص شئ والشغف قد يكون شيئًا آخر مختلفًا تمامًا. ومع أنه قد يحدث أن يلتقى التخصص مع الشغف، وهذا غاية المراد من رب العباد، لكنهما كثيرًا ما لا يلتقيان.
• • •
أتيحت لى فرصة قراءة ثم مناقشة كتاب "التقويم القبطى.. بين الواقع والأساطير"، فى ندوة ممتعة أثراها الأكاديمى والمؤرخ الكبير دكتور مجدى جرجس وأدارها باقتدار الكاتب والناشر المعروف الأستاذ محمد البعلى .
• • •
وبالعودة إلى تامر ممدوح شفيق نجد أنه فى الأصل مدرس بكلية الهندسة-جامعة القاهرة. ومتخصص فى الهندسة الكهربائية، لكنه واسع الثقافة متعدد الاهتمامات، وهنا لا بد أن أشكر الابن الصديق والصحفى الشاب بيتر مجدى الذى دلّ المؤلف عليّ، فضلًا عن شكرى الدائم للظروف التى جعلتنى أهتم بالحضور القبطى فى الأدب المصرى لتنفتح أمامى نوافذ بلا عدد، أحدثها نافذة التقويم القبطى. فمن قبل أن أقرأ العمل الذى أعرضه كانت معرفتى محدودة عن الفارق بين التقويم القبطى الذى تأخذ به كنيستنا الأرثوذوكسية وعدد قليل من الكنائس الأخرى، والتقويم الجريجورى الذى تأخذ به باقى الكنائس المسيحية حول العالم. مجرد أن مسيحيى العالم يحتفلون بعيد ميلاد السيد المسيح فى ٢٥ ديسمبر بينما يحتفل به أرثوذوكس مصر فى ٧ يناير، وأن الفترة من أولها لآخرها محببة جدًا إلى قلبى، ففيها صلوات وأنوار وصيام وزينة وترقّب وهدايا فى أوراقٍ ملونةٍ، تمامًا كما هى أجواء شهر رمضان المفرحة. أما بعد أن قرأت الكتاب فأول شعور انتابنى كان هو الخجل، لأنه عيب علّى ألا أعرف الملابسات والخلفيات، وعيب أكثر لأننى أكتب طوال الوقت عن الأقباط المصريين. حاولتُ أن أهوّن على نفسى من مدخل أنه لا عيب إلا العيب، والمثل يقول خير أن تأتى متأخرًا من ألا تأتى أبدًا. وها أنا آتية إليك أيها التقويم القبطى.
• • •
يطوف بنا الكاتب فى رحلة طويلة عمرها آلاف السنين منذ بدأ التقويم المصرى القديم فى عام ٤٢٤١ قبل الميلاد، وحتى التقويم الجريجورى فى عام ١٥٨٢ ميلادى والمنسوب إلى البابا جريجوريوس الثالث عشر بابا الفاتيكان. وفيما بين هذين التاريخين نتعرّف على العديد من التقاويم الأخرى فى الشرق الأدنى وبلاد الإغريق والرومان وموقع التقاويم السكندرية والعربية والهجرية والقبطية منها. نقف على تأثر هذه التقاويم بحركة النجوم والشمس والقمر، وارتباطها بمواسم الفيضان وتقلبات درجة الحرارة ما بين الاعتدال الربيعى والانقلاب الصيفى، وانتظام حِرفة الزراعة غرسًا وحصادًا، وحرفة الرعى تجوالًا وقعودًا وفقًا لها. وعلى المستوى الشخصى كانت المرة الأولى التى أعرف فيها أن التقويم المصرى القديم تعامل مع الشهور الكبيسة بطريقة لطيفة، فبعد أن احتسب كل الشهور الاثنى عشر على أساس ٣٠ يومًا للشهر الواحد، أضاف شهرًا آخر يتكون من ٥ أيام فقط لا غير ليصبح مجموع أيام السنة ٣٦٥ يومًا موزعة على ٣ فصول لا ٤. عرفتُ كيف أن دقائق معدودات كانت كافية للمراجعة والتصحيح للانتقال من تقويم لآخر، ولو كان الخطأ فى الحساب يترتب عليه تجاهل عدّ يوم واحد كل ١٢٨ سنة أو أكثر. عرفتُ كذلك كيف كانت الفصول تُسمّى بأسماء الآلهة، وأعياد ميلادهم تُطلق على الأيام.
• • •
أما أمتع أجزاء الكتاب فكان الجزء الاجتماعى والأنثروبولوچى، فعيد النيروز تتقاطع عنده الحضارات القبطية والفارسية والكردية، مع اختلاف فى التفاصيل، وقرأتُ كيف كان يتم إحياء هذا العيد فى مصر خلال العصر الفاطمى بطقوس ثبّتها المقريزى فى كتابه "المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار"، تجتمع فيها الملابس المذهبّة مع مذاقات التمر والسفرجل والبطيخ والرمان، وهذه متعة حقيقية وغنى نشتاق إليهما. ثم هناك الأعياد القبطية والشهور القبطية التى تعيد لذهنى كل الأمثال الشعبية المتوارثة التى يحفظها المصريون عن ظهر قلب، أكانت عن شهر طوبة اللى يخلّى الشابة كركوبة أو كانت عن شهر أمشير اللى كل ساعة فى حال. إنه كتاب غنى بالمعلومات والمصادر والجداول والصور والعمليات الحسابية. وهو ينّم عن غوص كاتبه فى تفاصيل التفاصيل. والقارئ ذكى يعرف إن كان الكاتب بذل مجهودًا فى محاولة توصيل فكرته أم لا، وهذا العمل وُضع فيه جهد كبير جدًا. لكن كتاب" التقويم القبطي" لم يكن هو أول سباحة لتامر شفيق فى هذا البحر الغويط جدا، فأول مائة متر سبحها كانت فى جريدة الشروق بمقال له فى ٢ يناير ٢٠٢٥ بمقال له بعنوان "فى أصول التقويمين المصرى القبطى والغربى الميلادي"، وبعد ذلك واصل سباحته فى نفس الاتجاه.
• • •
ثم أن تامر شفيق صاحب رسالة يريد توصيلها. ورسالته هى أن التقويم القبطى المعمول به حاليًا يوجد به خطأ متراكم نتيجة الانزياح الزمنى المستمر ما أدّى إلى ما يسميه الكاتب "اغتراب التقويم عن الظواهر الطبيعية". وذلك بمعنى أن التقويم القبطى لم يعد يساعد الناس فى تحديد مواقيت الزراعة وتغيرات الفصول والمواسم، وهو الأمر الذى كان من وراء منشأه فى الأساس. ولا عاد موعد الاحتفال بعيد القيامة متوافقًا مع ماهو مذكور فى الأناجيل من أن "صلب وقيامة المسيح كانا فى أسبوع الفصح اليهودي"، بل أصبح من الممكن أن يجرى الاحتفال بعيد القيامة بعد أكثر من شهر على عيد الفصح اليهودى. هذا فضلًا عن أن الاختلاف فى موعد عيد الميلاد ما بين التقويم القبطى القائم على السنة النجمية والتقويم الجريجورى القائم على السنة الشمسية يترتب عليه عدم التوافق بين احتفال أقباط المهجر بالعيد وبين الإجازات الرسمية فى الدول التى يقيمون بها. ويتفهّم تامر شفيق أن الكنيسة الأرثوذوكسية المصرية هى كنيسة عريقة لها تقاليدها الضاربة بجذورها فى عمق التاريخ، لكنه يدعو فى الوقت نفسه للتعامل مع قضية التقويم من منظور عملى لا دينى، ويطالب بفتح مجال للنقاش حولها يشارك فيه آباء الكنيسة وعلماء الفلك والتاريخ ويعرض بعض المقترحات الإصلاحيّة التى من شأنها إثراء النقاش.
• • •
إنه كتاب دسم يحرّض على التفكير ويمثّل إضافة نوعية للمكتبة العربية فى مجال علم المصريات.