« مؤسسى – بيروقراطى..« قرار واشنطن الاستراتيجى عقب الانتخابات النصفية
إيريني سعيد
آخر تحديث:
الخميس 5 نوفمبر 2026 - 9:25 م
بتوقيت القاهرة
يعد قصورًا إذا ما اعتمدنا قراءة اتجاهات ترامب وسياساته المقبلة، بناء على نتائج الجمهوريين أو حتى مواقفهم، وهو الرئيس الجمهورى، الذى عكست قراراته تحررًا تامًا من أى قيود تشريعية، وربما كرس لمرحلة من الانشقاقات ما بين البيت الأبيض والكونجرس، خلال ولايته الأولى، غير أن تبعات الحرب الدائرة بين واشنطن وطهران -انطلقت فبراير 2026- كشفت عن جملة من الحقائق بخصوص الشأن الأمريكى سواء القناعات والاتجاهات أو حتى طبيعة السياسات فى إدارة الحروب الاستراتيجية، لاسيما مع تداخل المواقف وغياب الرؤية فى الخطابات السياسية، إلى جانب التحولات السريعة فى الخطط ومن ثم طبيعة المستهدفات، أكثر من مجرد اتجاهات قد تٌبنى على نتائج انتخابات نصفية، سواء تعلقت بتقييد صلاحيات رئيس أو قدراته على تمرير أجندته، وربما من أكثر ما يستوقفك هو حالة الارتدادات العكسية والمتسارعة، والتى نجحت فى خلق حالة من التهديدات المستمرة على المستويين السياسى والاقتصادى، وعليه شكلت مقاربة عسكرية وحرب استراتيجية تملك طبيعة خاصة ومضامين اختلفت عن المضامين التقليدية لمعظم الحروب القريبة والمعاصرة، كما أسهبنا فى عدد من التحليلات السابقة تجاه هذه الحرب وتفاعلاتها على خلفية عدم الحسم أو حتى نهايات الحروب المتعارف عليه، والأهم والأكثر جوهرية، أن المنتصر فى هذه الحرب هو مهزوم من منطلق استنفاد كل الرهانات مع ضياع وتقويض فعالية معظم التهديدات وأوراق الضغط، والتى طالما لوح بها الأطراف، اللهم أن يحقق أى من منهم انتصارًا ساحقًا يخضع الخصم والطرف الآخر، وهو ما يزال مستبعدًا فى ضوء محاولات الاستنزاف المتبادلة بين الأطراف.
• • •
وربما القرار الاستراتيجى فى واشنطن شكل حجر الزاوية فى فهم هذه الارتدادات العكسية وتقلباتها، فإذا ما أردنا قراءة جادة للمقاربة الأمريكية والتعاطى المعاصر من قبل الرئيس الجمهورى للصراع الدائر، يجب علينا تفكيك هذا القرار وإعادة تركيب مفرداته فى ضوء اتجاهين جوهريين، الأول يتعلق بأساس المضمون العلمى والافتراضات تجاه القرارات السيادية للدول أى الاتجاه النظرى، والثانى يتعلق بالتطبيق العملى لهذه النماذج على أرض الواقع، وهل بالفعل يمكن قياسها على النموذج الأمريكى أم ما يحدث على أرض الواقع يبتعد تمامًا عن العلوم متعلقًا بما تفرضه الظروف والمجريات، لدولة ونظام سياسى طالما صُنف كونه الأكثر ديمقراطية وتماشيًا مع العلوم السياسية وتوجهاتها.
لدوافع تقليدية طالما عهدناها فى الصراع ما بين واشنطن وطهران، ما يزال المشهد على قدر يذكر من التعقيد، فى المقدمة منها طبعًا غياب الثقة، والفشل المزمن للمفاوضات، وربما الأكثر كارثية، هو كلما اقتربت المؤشرات المبدئية من التبلور ناحية وقف هذا الصراع أو بمعنى أدق هذه الجولة من الحرب بين الأطراف، تبرز الارتدادات العكسية بشكل مفاجئ فى التصريحات المتبادلة من قبل الطرفين، ما أرجعته عدة من التحليلات إلى ضبابية الرؤية الأمريكية وعدم وضوح الاستراتيجية لدى الجانب الأمريكى، بالمقابل بروز الخلافات مع تراجع التوافقات ما بين القرارين السياسى والأيديولوجى بالداخل الإيرانى، غير أن هذه النوعية من الحروب، والتى اعتبرناها تمثل مفارقة من نوع خاص، كما أوضحنا أعلاه، لن تتوافق مع آليات إيقافها أو إنهائها مفاوضات أو حتى إتفاقات بعينها، وربما ما سيحدث هو فقط نقطة اتزان تتلاقى عندها الضغوط والضغوط المضادة، ومن ثم انصياع الأطراف وعبر تنازلات مبطنة أو مقنًعة، أى ختام عبر حرب استنزاف، وإن شكلت اللقاءات الأخيرة المتتالية ما بين عدد من القوى الكبرى والإقليمية، اتجاهات يمكن البناء عليه فى وساطات من الممكن جدًا أن تدفع تجاه التهدئة، لا سيما فى ضوء تشابك المصالح ومنهجيات ترامب فى التعامل مع الزعيمين الروسى والصينى، والأهم بروز القاهرة كفاعل إقليمى يملك إحداث التحولات، ما برز فى تحركات الرئيس السيسى الأخيرة ما بين روسيا وأوروبا الوسطى، بالتالى من الممكن جدًا أن تُصاغ معادلة تسوية تشكل هذه اللقاءات النواة لها، لكن بنسبة خصوصًا أن الدولتين لن تحاولا انتهاج التوازنات التقليدية، على الأقل فى هذا التوقيت، على اعتبار توافر عدة من الرهانات وأوراق الضغط، قد تدفعهما إلى المجاهرة العلانية بالمصالح، أيضًا القوتين أكثر ثقلًا وخلفية من أن تنخرطان فى تسويات غير فعالة أو أن يتعهدا بضمان لعبة ترامب السياسية وقواعدها المتغيرة، أو أن تكونا نموذجًا مكررًا من باكستان أو عمان، لكن قد تنخرطان فى أطر بعينها تتشكل من خلالها عوامل بضغط تدفع تجاه التسويات، خصوصًا أن إيران ما تزال ضمن المحور الجيوستراتيجى الأهم بالنسبة لروسيا والصين، وأن تقويض الحليف حتمًا لا شك سيضر بمصالحهما، وفى ضوء حقيقة استراتيجية، مفادها أن طهران ما تزال ضمن آليات أقصى الشرق فى مواجهة الإمبريالية الأمريكية، لكن هذا لا يمنع أن منهجية ترامب المستحدثة سواء على مستوى التقارب مع موسكو أو حتى عدد الزيارات إلى الصين، ضمن مرجعيات الدولتين الآسيويتين.
القرار الأمريكى.. قرار إطلاق الحرب على إيران نموذجا
ما تزال جنبات مراكز الفكر والأبحاث مشتعلة بمحاولات الاجتهاد ناحية تفسير السلوك الأمريكى بل بالأكثر قرارات الرئيس الأمريكى منذ إعلان الحرب على إيران، مرورًا بما يعلن عبر خطاباته السياسية سواء الرسمية أو الرقمية عبر وسائل التواصل الاجتماعى، وحتى إعلانات توقف العمليات والمراوغات جراء إتمام المفاوضات وغيرها، وهنا من السطحية أن يقال إن القرار الأمريكى فى مرحلة من التخبط أو غياب الرؤية، بل الأمر يتطلب قراءة دقيقة من شأنها الوقوف على المشهد وما يتضمنه من تحليل للقرار الاستراتيجى الصادر من واشنطن، ومن ثم يمكن التوصل إلى بعض الملاحظات، أهمها:
• إن القرار الأمريكى مُحكم بنسبة عالية وأية إشارات ناحية تخبطات بعينها أو تشويش، من الممكن فهمها فى إطار هذه النوعية من الحروب الاستراتيجية والعنيدة والتى من الممكن جدا أن يعاد تقييم الخطط والاستراتيجيات خلالها وبما يتماشى مع المستجدات، غير أن نفس القرار المحكم، فمقتصر اتخاذه على الدائرة الضيقة جدا من بعض المؤسسات الأمريكية العميقة، وليس على نطاق واسع، ما يؤشر على دقة اتخاذه والتعاطى مع نتائجه وتداعياته.
• إن ترامب قد تمكن من صياغة مستهدفاته وربما التى تتجاوز المستهدفات التقليدية المتعارف عليها سواء تغيير النظام الإيرانى أو تقويض البرنامجين الصاروخى والباليستى، إلى ما هو أبعد ويتعلق بتقويض كافة الأوراق الاستراتيجية، والتى طالما لوحت بها طهران وفى المقدمة غلق مضيق هرمز وما ترتب عليه من نتائج ناحية اختلالات الاقتصاد العالمى، ما نجح فيه بالفعل الرئيس الأمريكى وما برز ليس فى السيطرة وفرض القيود على الملاحة الإيرانية أو حول العالم، إنما فى تحرك طهران ناحية صياغة شرط إعادة السيادة الإيرانية على المضيق وما جاء فى المقترح الإيرانى، ما يؤشر على الزعزعة ومن ثم برزت المطالبة، ما يبرهن أيضًا على استمرارية نفس الدائرة الضيقة فى التعاطى مع نفس الآليات فى اتخاذ القرارات ومن ثم الإمساك بها.
• بالقياس على النموذج الأمريكى تجاه عملية اتخاذ القرار، علميا فإن النظام الأمريكى هو نظام ليبرالى فيدرالى، بل بالأحرى نظام رئاسى صانع القرار خلاله هو رئيس البلاد ويعاونه أجهزة الخارجية والأمن القومى والبنتاجون وغيره من الأجهزة السيادية، بالتالى يتوافق جيدًا مع النموذج المؤسسى، لكن عمليًا فيبدو أن القرار الأمريكى هو قرار بيروقراطى تحكمه شبكة ضيقة من صناع القرار، لكنهم يربطون جيدًا بين النموذجين المؤسسى والبيروقراطى، فى أن القرار تقوده المؤسسات البيروقراطية، لكنها لا تسعى إلى تحقيق مصالحها على نحو تام بل تسعى أيضًا إلى المصلحة القومية وإعلاء مصالح البلاد، فترامب ودائرته يتعاونون من أجل إحداث طفرة سياسية وعسكرية تخدم على التعاطى مع الملف الأكثر حساسية بما يبرهن على صواب الرؤية الترامبية وقدرتها على الاختراق، لكن بالطبع فى المنتصف مصالح «أمريكا أولًا» وبما يتفق مع الشعار الأشهر.
• • •
إذا ما استعنا بهذا الاتجاه والذى أسهبنا فيه حول كيفية إدارة وصناعة القرار الأمريكى فإن توقع مسارات هذه الحرب يبدو بعيدا عن أية اجتهادات، لاسيما فى ضوء تصريحات ترامب نفسه أن الاحتمالات ما بين عودة العمليات العسكرية أو المفاوضات تظل 50:50 ما يؤكد كافة التحليلات، والتى انتهجناها، ومفادها صعوبة توقع قواعد اللعبة السياسية، والتى يديرها ويحكم توازناتها الرئيس الأمريكى، لكن تظل جزئية مهمة فى هذا الإطار وحول توقع مسارات ومستقبل الحرب الدائرة، هو أن ختام هذه الحرب لن يمر عبر اتفاق أو معاهدة تحكمها مجموعة من البنود، خصوصًا البنود التصعيدية والمتعلقة بإنهائها وفتح المضيق مع ترك البرنامجين الصاروخى والباليستى لجولات لاحقة من المفاوضات، إنما الختام سيكون عبر تنازلات مبطنة وتجاوز واضح من قبل الأطراف الأصيلة عن ثغرات المقترحات، حال ما انتوت طبعا وتوفرت الإرادة السياسية، وهو ما لن يتحقق إلا عند نقطة من التوازنات تجتمع عندها الضغوط والضغوط المضادة، وهو ما سيكون نتاجًا للحصار المتبادل، وعليه فإن القرار الأمريكى فى الحرب الدائرة مع إيران، تحكمه البيروقراطية والمؤسساتية ويجتمع فيه النموذجان، ما برز فى سلوكيات صانع القرار الأمريكى استراتيجيًا وعسكريًا حتى سياسيًا.
كاتبة صحفية وباحثة أكاديمية فى العلوم السياسية