ديكتاتورية الأكثرية بين «سلطان حائر» « و«سلطان جائر»

حسام لطفى
حسام لطفى

آخر تحديث: الأربعاء 5 ديسمبر 2012 - 8:40 ص بتوقيت القاهرة

استحضر فى الذهن مسرحية «السلطان الحائر» للعظيم توفيق الحكيم حيث التزم السلطان بالمثول لحكم القانون، وارتضى أن يباع بالمزاد العلنى لأنه مال عقيم تركه سلطان نسبه إلى نفسه واتخذه ولدا ليرثه بعد أن اشتراه من سوق العبيد، لتشتريه صاحبة حانة لبيع الخمور وتعتقه ليصبح حراً، ويستطيع أن يحكم الأحرار، ورحم الله الإمام العز بن عبد السلام الذى لقب بـ«سلطان العلماء» وتوفى فى مصر عام 1262م،  والذى ألهم أديبنا العظيم بمسرحيته حيث كان أول من امتنع، وهو قاضى القضاة، أن يوقع لهم على عقود البيع والشراء والزواج من الحرائر لأنهم أساساً عبيد مملوكون لغيرهم.

 

 

أين نحن من هذا السلطان الذى رفض نصيحة كبير الوزراء أن يعدم النخاس الذى باعه فلا يعرف أحد بعبودية السلطان،  وتمسك قاضى القضاة ببيع السلطان بالمزاد العلنى، لأنه متاع عقيم لسلطان مات بلا وارث آل إلى بيت المال، فارتضى أن يباع بالمزاد العلنى ونبذ حيرته ولم يتردد فى اتباع حكم القانون رغم ما فى تطبيقه عليه من مهانة ومذلة؟

 

•••

 

ترى هل تفهم الرئيس مغزى هذه المسرحية؟ ترى هل أدرك الرئيس حجم تضحية السلطان الابن فى سبيل أن يجنب شعبه أن يحكمه عبد؟ فضحى بهيبته وكرامته وارتضى أن ينادى فى الأسواق ببيعه بالمزاد العلنى حتى لا ينظر إليه نظرة المخالف لحكم القانون؟

 

ترى هل تصور الرئيس ما انطبع فى ذهن الشعب المصرى عندما تابعه فى  خطبة صاحبت إصداره الإعلان الدستورى الجديد:

•حين قدم إليهم بأنه قائد ثورة 25 من يناير2011 وكلنا يعلم أنه كان سجيناً فى هذا اليوم فى سجن وادى النطرون؟

 

• حين تجنب ذكر فلسطين وأكد أن غزة آمنة وأهلها آمنون؟ وكلنا يعلم أن «إمارة» غزة يحكمها الجناح العسكرى لتنظيم الإخوان المسلمين «حماس» التى ترفض الدخول فى طاعة رئيس السلطة الفلسطينية؟ وكانت صواريخها حجة اسرائيل للحصول على النظام الدفاعى الأمريكى المعروف بـ«القبة الفولاذية»، دون مقابل، ليكتب لهم الأمن والأمان بيد حركة حماس التى ضمنت مصر (!) عدم اعتدائها على إسرائيل؟

 

• حين عاب فى القضاء وأنهم يسربون الأحكام قبل النطق بها؟ وكلنا يعلم أن المحاكم الدستورية تعد لها هيئة مفوضى الدولة تقريراً قبل الحكم وأن ما نشر قبل الجلسة بأسابيع قد يتعلق برأى هذه الهيئة أو برأى قاض لم يشارك فى المداولات فأدلى برأى شخصى له كمواطن؟

 

• حين خلط بين أحكام البراءة لعدم الإدانة وأحكام البراءة لعدم وجود أدلة كافية، حيث قدمت القضايا إلى القضاء بما هو متاح من أدلة أمكن جمعها رغم غيبة كاملة لرجال الشرطة فى الشارع، وحقق فى جل القضايا قضاة تحقيق اختارهم وزير العدل من بين القضاة العاملين، وليس النيابة العامة، وإذا قضى بالبراءة فالعبرة بقناعة القاضى وليس بما قدم له من أدلة، فقد يوجد ألف دليل دامغ ويستعصم القضاء بعدم قناعته بالإدانة ليقضى بالبراءة، لأن الخير للعدالة فى أن يفر مجرم من العقاب من أن يدخل برىء السجن؟

 

• حين حصن قرارات الرئيس بأثر رجعى منذ بدء ولايته لغاية فى نفسه تفضحها عيونه، وهى تحصين قراره بدعوة مجلس الشعب للانعقاد، وكلنا يعلم أن الساقط لا يعود،  فالمجلس قضى بعدم دستوريته وسيلقى مجلس الشورى نفس المصير ولو كره الكارهون؟

 

• حين تجاهل عدم أحقيته فى إصدار تشريع «دستورى» لأنه لم يفوض من الشعب فى إصداره، فى حين كان المجلس الأعلى للقوات المسلحة مفوضاً بموجب الاستفتاء الأول، وأورد الرئيس نصاً انتقالياً فى مسودة الدستور يسبغ المشروعية على ما كل ما أصدره من إعلانات دستورية، وذكر صراحة أن آثارها تظل صحيحة منتجة لآثارها؟ أى أنها لن تختف من حياتنا القانونية إذا ما قلنا «نعم» فى الاستفتاء، كما يزعم الزاعمون؟

 

• حين حرص على «دسترة» قوانين عادية، فأفرغ مضمونها فى نص دستورى، ظناً منه، وكل الظن فى الساسة ليس إثماً، أنه بذلك يدرأ الحكم بعدم الدستورية؟ فلن تجد فى «الدسترة» سبيلاً إلى «البسترة»، وهى طريقة علمية معروفة للكافة تحمى المواد الغذائية من التحلل، لأن القضاء سيعتبر الإعلان الدستورى الصادر من الرئيس «عملا ماديا»،  أى مجرد من كل أثر قانونى.

 

• حين منح نفسه الحق فى عزل النائب العام الحالى وتعيين من يخلفه من بين أعضاء السلطة القضائية، حيث من المعروف أن السلطة القضائية شعابها خمسة: النيابة العامة والقضاء الجالس،  والنيابة الإدارية، وهيئة قضايا الدولة ومجلس الدولة، إلى جوار المحكمة الدستورية العليا؟ فأى ضمانة للمواطن مصرى إن عين النائب العام من غير أعضاء النيابة العامة والقضاء الجالس؟

 

•حين سكت على الحملة الشرسة بـ«التكفير» ودعا أنصاره إلى استعراض القوة ومن حولهم طائرة مروحية «هليكوبتر» تنقل للعالم الدليل على ديكتاتورية الأكثرية، ومن المعروف أن سكوت الرئيس يعد «فعلاً».

 

•••

 

 يا أيها السلطان الحائر الذى شاء الله تعالى أن يجعلك تحسم حيرتك، فامتثلت لحكم القانون، هل لك أن تلهم سلطاننا الجائر ليعود  تحت سماء القانون لأن مثله لا يتصور منه أن يستقوى بشعبه على باقى شعب مصر لأن هذا الأمر ينطوى على «استهزاء» بشعب الكنانة كله،  وبـ«قواعد عامة» فى صياغة الدساتير تلزم الأمم المتحضرة، وتعلو فى قيمتها «القانونية» ومرجعيتها «العلمية» على ما يخالفها فى الدساتير.

 

   وليعلم الرئيس أن مآل هذه النصوص «جميعاً» الإلغاء ولو صنف معارضيه بأنهم «كفار»،  ليصير الداعى إلى الهداية ومن يعارضه يدعو إلى الغواية،  معتبراً أن «الدسترة» ستعصمه من «الإلغاء».

 

ختاماً،  قد لا نجد أمامنا من طريق للالتفاف حول الأزمة الراهنة سوى طرح مسودة موازية من دستور عصرى، خالية من أوجه العوار، على الشعب، ليختر بينهما، فنحفظ بذلك ماء وجه الحاكم وكرامة المحكومين، فهل من مجيب لهذه الدعوة الصادقة ليعرف كل منا حجمه الحقيقى من خلال صناديق الاقتراع وليس الحناجر المبحوحة والصفوف المرصوصة والهتافات المجوجة؟

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved