سيناريوهات الرد الأمريكى على إرهاب إليكترونى

العالم يفكر
العالم يفكر

آخر تحديث: الثلاثاء 6 يناير 2015 - 9:30 ص بتوقيت القاهرة

كتبت الباحثة كاثرين مون فى مقال نشر على موقع معهد بروكينجز حول ردود الفعل الأمريكية تجاه «الإرهاب الإلكترونى» وذلك على إثر ما حدث مؤخرا من تهديد كوريا الشمالية لشركة «سونى بيكتشرز» المنتجة لأحد الأفلام الناقدة لسياسة زعيم كوريا الشمالية «كيم يونج أون».

فقد قامت شركة «سونى» بإنتاج فيلم «المقابلة» بسيناريو كوميدى بقصد إضحاك الجمهور وذلك عند مشاهدة الممثلين الرئيسيين سيث روجان وجيمس فرانكو وهما يمثلان بطريقة كوميدية وبشكل ساخر. ولكن الضحكة الأخيرة يبدو أنها سخرت من شركة سونى والفيلم، وذلك بعد عملية قرصنة ضخمة تعرضت لها الشركة فى 24 نوفمبر عام 2014، حيث تم فيها اختراق النظام وسرقة نحو مائة تيرابايت من البيانات. واعتقد كثيرون، بمن فيهم أعضاء فى أجهزة الاستخبارات الأمريكية، أن كوريا الشمالية هى الجانى. وأن بيونج يانج تمتلك بالفعل قدرات متطورة فى مجال تكنولوجيا الإنترنت تتيح لها أن تعيث فسادا. وبالرغم من دعوة الكاتبة إلى عدم الشعور بالدهشة من أن تنفذ حكومة ذات تاريخ من الإرهاب العنيف مثل هذا الهجوم. إلا أنها لا تقطع اليقين حول ما إذا كانت هى المسئولة المباشرة عن هذه الأحداث.

•••

وتستدل الكاتبة على ذلك بأنه لا تبدو اللغة فى الرسالة الإرهابية متماشية مع لغة الدعاية القياسية أو الخطاب العدوانى الذى يستخدمه النظام الكورى الحاكم عادة. فمن بين الاحتمالات، أن التهديد، الذى دفع دور السينما وشركة سونى لوقف إطلاق الفيلم فى يوم عيد الميلاد، كان من عمل إرهابيين مستقلين يتعاطفون مع كوريا الشمالية أو ربما يتم دعمهم من قبل بيونج يانج.

وترى كاثرين أن ماحدث كان صدمة لبعض صناع القرار. فقد طالبت بيونج يانج لعدة أشهر بحظر فيلم «المقابلة». ففى يونيو 2014، بعث سفير جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية لدى الأمم المتحدة، جا سونج نام، برسالة إلى الأمين العام للأمم المتحدة معربا عن اعتراضات بيونج يانج على الفيلم. وقال السفير إن إنتاج وتوزيع الفيلم يجب أن يعتبر «أكبر رعاية علنية للإرهاب، فضلا عن كونه عملا من أعمال الحرب»، وحثت الولايات المتحدة على «اتخاذ الإجراءات المناسبة الفورية» لحظر إنتاج وتوزيع الفيلم. فبالنسبة لكوريا الشمالية، يعتبر تصوير اغتيال «القائد الأعلى» لها تشويها. حيث تعتبر كوريا، على أى حال، دولة ثيوقراطية علمانية، يشكل فيها كيم يونج أون والده (كيم يونج ايل) وجده (كيم إيل سونج) «الثالوث الأقدس» على حد قولها.

•••

ويرى كثيرون أن كوريا الشمالية «معزولة» و «متخلفة»، وبالتالى غير قادرة على امتلاك الموارد البشرية والمادية للقيام بنشاط خطير على الإنترنت. ولكن الواقع مختلف. فمن بين كل 12 من الكوريين الشماليين يمتلك واحد على الأقل هاتفا ذكيا، ولا يستخدمه من باب التظاهر فحسب. كما أن لديهم إمكانية الوصول إلى شبكة الجيل الثالث 3G التى يديرها مشروع مشترك بين شركة أوراسكوم، المصرية، والحكومة الكورية الشمالية. وتحتفظ أوراسكوم بعدد من المشتركين فى كوريا الشمالية، يصل إلى حوالى مليونى شخص. وكما يحدث فى البلدان النامية أخرى، غالبا ما تتشارك العائلة والجيران فى الأشياء الثمينة، لذلك قد يصل المستخدمون إلى أكثر من مليونى نسمة. ولدى بيونج يانج أيضا القدرة على تشويش إرسال الأقمار الصناعية GPS. وتقوم الحكومة بتدريب الآلاف من الشباب والطلاب الأذكياء فى الرياضيات والهندسة والمجالات ذات الصلة بما يشكل قوة قوامها نحو خمسة آلاف و900 من «محاربى» الفضاء الإلكترونى. ويحصل أفضلهم على تدريب إضافى فى الصين وروسيا .

وتوضح كاثرين أن قضية سونى شملت مجموعة متطورة جدا ومعقدة، تستخدم أجهزة الكمبيوتر فى سنغافورة وتايلاند وإيطاليا وبولندا وقبرص وأماكن أخرى. ويقدر أحد الخبراء أن الاختراق وسرقة نحو مائة تيرا بايت من البيانات، ربما استغرق شهورا، أو حتى سنوات من دون أن يلاحظ أحد. وأوضح أنه يشك فى أن تكون البنية التحتية الإلكترونية فى كوريا الشمالية يمكن أن تكون قادرة على دعم مثل هذه المهمة الضخمة. ولكن ترى أن الغالبية العظمى من الهجمات الإلكترونية بدأت من داخل الصين، ويعمل الكوريون الشماليون من شركات وهمية.

ومع الوقت تتكشف القصة، ويدور الكلام حول ما إذا كان ينبغى على الحكومة الأمريكية أن ترد وما هى طبيعة هذا الرد. واعتبر البعض الهجمات السيبرانية على سونى عملا من أعمال الإرهاب ضد الولايات المتحدة، وبالتالى، يستدعى ذلك إعلان الحرب على كوريا الشمالية. وتحدث آخرون عن ضرورة القيام بهجمات إليكترونية انتقامية. ولايزال البعض الآخر يتحدث عن زيادة تشديد العقوبات الاقتصادية على النظام الكورى الشمالى، فى حين ترى فئة أخرى أن تطلب واشنطن من بكين المساعدة فى كبح جماح بيونج يانج.

•••

ولكن تبين الكاتبة أن أيا من هذه الخيارات ليس منطقيا فى هذه المرحلة. وفقا لما يلى: أولا، لأن إعلان الحرب عمل خطير حتى لو كان لدى الولايات المتحدة دليل لا جدال فيه. وعلاوة على ذلك، فإن قواعد الناتو (والولايات المتحدة جزء منه) تضع تعريفا للعمل الذى يعد من أعمال الحرب الإلكترونية التى تتطلب ردا عسكريا وهو «عملية الإنترنت، سواء كانت هجومية أو دفاعية، التى من المتوقع أن تسبب الإصابة أو الوفاة للأشخاص أو ضرر أو دمار للكائنات». وإذا لم تشن الولايات المتحدة الحرب على الأسلحة النووية لكوريا الشمالية، فلن تهزم سونى بالتأكيد. وثانيا، عند القيام بانتقام من نفس النوع قد يؤدى إلى التصعيد الدولى أو سباق تسلح الإنترنت. الى جانب أن قطاع نظم الاتصال عن كوريا الشمالية يمكن أن يكون له تأثيرات غير مرغوب فيها على الأفراد الكوريين الشماليين الذين يضحون بحياتهم من أجل التواصل مع العالم الخارجى عبر شبكة الإنترنت والاتصالات الخلوية فى تحد للنظام.

أما عن العقوبات الاقتصادية؛ فيوجد بالفعل مجموعة واسعة من هذه العقوبات. كما أنه يصعب فرض عقوبات تستهدف الاتصالات السيبرانية فى كوريا الشمالية، حيث إنها غالبا ما تدار من خارج البلاد. وبالنسبة لطلب المساعدة من الصين، فهو احتمال لا يمكن الاعتماد عليه، حيث تحقق مصادر الحكومة الأمريكية فى احتمال أن تكون الصين، وكذلك روسيا وربما إيران، قد ساعدت كوريا الشمالية. وقد استخدمت البلدان الثلاثة أنواعا مماثلة من البرامج فى الهجمات الإلكترونية. ومن ثم فسيكون من الصعب التحكم لاحتمالية تعدد الأطراف الفاعلة.

•••

وتشير كاثرين إلى التقارير الإعلامية الأخيرة، والتى اعتمدت على رسائل إليكترونية تم تسريبها من بريد سونى الإليكترونى خلال اختراق 24 نوفمبر، حيث أوضحت نصوصها أن مسئولين بالحكومة الأمريكية شهدوا مقاطع من الفيلم الخام فى يونيو واطلعوا على المشهد العنيف الذى تم فيه تفجير كيم يونج أون. ويقول البعض إن المسئولين أبدوا مباركتهم الضمنية.

وفى النهاية تنظر الكاتبة إلى حق حرية التعبير، حيث رأت أن التصرف الأنسب الذى ينبغى على الأمريكيين القيام به الآن، كمستهلكين، أن يشاهدوا الفيلم، حتى يتمكنوا من دعم حقهم فى حرية التعبير. ويمكن أيضا المطالبة بأن تؤدى استوديوهات السينما خدمة عامة عن طريق الحد من العنف غير المبرر فى الأفلام. وعندما تتوفر المزيد من الحقائق حول اختراق سونى وعن تهديدها، يمكن بعد ذلك النظر فى ما ينبغى أن يكون ردا رسميا مناسبا. فربما يمثل الاندفاع فى رد الفعل إنقاذا سريعا فى الأفلام السينمائية، ولكن ليس بالضرورة فى الجغرافيا السياسية.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2024 ShoroukNews. All rights reserved