استشراف المستقبل العربى على المحك

علي محمد فخرو
علي محمد فخرو

آخر تحديث: الأربعاء 6 فبراير 2019 - 11:45 م بتوقيت القاهرة

بعد كل حدث فى بلاد العرب ينبرى المعلقون والمحاورون من رجالات ونساء الإعلام العربى، المرئى والمسموع، لاستدعاء من يسمونهم بالإخصائيين والمحللين والمفكرين فى شتى حقول الاختصاص والطلب منهم بثقة واطمئنان لاستشراف مستقبل هذا الحدث والقوى التى تصنعه أو مجتمع ذلك الحدث والدولة التى تواجهه.
ولكثرة تكالب المحن والإحن على أمة العرب فى السنين الأخيرة، وعلى الأخص منذ انفجار الحراكات والثورات الشعبية فى العديد من أقطار الوطن العربى، أصبحت أسئلة استشراف المستقبل شبه يومية وبأساليب روتينية مملة، وأحيانا مضحكة.
والأغرب من الأسئلة التى تُطرح هى الإجابات الواثقة القطعية المليئة بالادعاء العلمى والنزاهة الموضوعية. ويشعر الإنسان أحيانا إلى أننا فى صف مدرسى روتينى، حيث الأستاذ يحاضر ويلقن والتلامذة يستمعون ولا يتساءلون.
ولكن هل موضوع استشراف المستقبل، بالنسبة للبشر والاجتماع الإنسانى وسيرورة التاريخ، هو بهذه البساطة؟
هل حقا أنه محكوم بالحتمية التى تميز العلوم الطبيعية من مثل الفيزياء والكيمياء على سبيل المثال؟
لو كان الأمر كذلك فلماذا، إذن، فشل إخصائيو ومحللو ومفكرو الاقتصاد، عبر العالم كله، والمرة تلو المرة، فشلوا بالتنبؤ بحتمية حدوث الأزمات المالية والاقتصادية الحادة التى اجتاحت العالم، وأحيانا بعض الدول، إبَّان الخمسين سنة الماضية؟ ولماذا فشل أمثالهم فى حقل الفكر السياسى من التنبؤ بالكثير من الأحداث والأزمات والمفاجآت السياسية التى اجتاحت العالم فى السنين الأخيرة، بما فيها أحداث ما يوصف بالربيع العربى؟
الجواب، الذى لا يوضُح بما فيه الكفاية، ولا ينشر بين الناس بما فى الكفاية، هو أن استشراف المستقبل، مثله مثل ما يعرف بعلم الاقتصاد أو علم السياسة والكثير من العلوم الاجتماعية متعددة الأسماء، لا يزال مليئا بعدم التأكد واللا يقينية، وبالخيال العلمى الطوباوى، وبالتأثر الشديد للعوامل الذاتية والإيديولجية لدى الاستشرافيين، وبالتفسيرات المتناقضة المماثلة للتفسيرات التاريخية أو الفقهية على سبيل المثال.
كل ذلك يدعونا إلى تنبيه شباب الأمة بأن يكونوا حذرين إلى أبعد الحدود عندما يستمعون إلى أشكال من استشرافيى المستقبل، وهم يوحون إلى المشاهد والمستمع بأنهم يعتمدون على أسس ونظريات مجربة وناجحة. ذلك بأن الكثيرين من هؤلاء من اليائسين والمحبطين، وبأن بعضهم من الخادمين لأجندات سياسية وأمنية مشبوهة سواء على مستوى الداخل أو مستوى الخارج.
نحن نبين ذلك بعد أن أصبح استشراف المستقبل موضة منتشرة على مستوى الشركات والحكومات ومؤسسات المجتمع المدنى، وبدأ من لا يمارسها يشعر بعقد النقص وأنه خارج هذا العصر وأنه متخلف. بل أكثر من ذلك، بدأت أصوات تنادى بأحداث قطيعة بين المستقبل والماضى والحاضر، باعتبار أن الماضى قد مات وأن الحاضر فى طريقه إلى الموت. هذا بينما المنطق والتاريخ يشيران إلى أن الماضى والحاضر والمستقبل هى حلقات فى سيرورة واحدة تؤثر فى بعضها البعض وتتفاعل مع بعضها البعض.
لسنا بالطبع فى وارد التقليل من أهمية موضوع ومحاولات استشراف المستقبل، خصوصا وأننا ننتمى إلى مجتمعات عربية لا يزال الماضى يأخذ بخناقها ويساهم فى خلق أزماتها. إنما نريد تنبيه شباب الأمة، وهم إمكانيات وهدير المستقبل، بأن أغلب سيناريوهات المستقبل هى عبارة عن تصورات وعمليات أكاديمية للإخبار عن البدائل الممكنة.
أما المستقبل فتقرره إرادة الحاضر، الإدارة التى ترسم ملامح المستقبل وتناضل بعزيمة وتضحيات لجعل تلك الملامح واقعا فى ذلك المستقبل.
إذا ثبت شباب وشابات الأمة على خلق تلك الإرادة وجعلوها فاعلة فى حياتهم اليومية، دون تعب ولا ملل، فإن ثرثرات استشراف المستقبل، وخصوصا من قبل الذين يتكلمون وكأنهم يملكون وحدهم الحقيقة وأنهم يعرفون دخائل وإمكانيات وأحلام جماهير أمتهم، يجب أن تخضع لتلك الإرادة، لا أن تعيقها أو تحرفها عن أهدافها الوطنية والقومية والإنسانية الكبرى.
جميع ما يقوله الخبراء والمعلقون والمحللون، المجتهدون منهم والانتهازيون الكاذبون اللاطمون، على شاشات التليفزيونات العربية أو من خلال الوسائل السمعية، جميعه يجب أن يعرض على حاكمية وأهداف وأخلاقية وقيم إرادة صنع المستقبل، عند أجيال المستقبل، فإن توافقت الأقوال مع تلك الإرادة فبها، وإلا فإن كل ما يقوله البعض أو يدعيه ليس أكثر من ثرثرة يجب أن تدخل من أذن لتخرج من الأذن الأخرى.

مفكر عربى من البحرين

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2020 ShoroukNews. All rights reserved