حالات ثورية مستدامة

جميل مطر
جميل مطر

آخر تحديث: الخميس 6 مارس 2014 - 7:15 ص بتوقيت القاهرة

جميل مطربانتصار الشعب المعتصم منذ نوفمبر الماضى فى ميدان «الميدان» بوسط كييف، العاصمة الأوكرانية، تكون الثورة البرتقالية قد أكملت دورة كاملة. بمعنى آخر، عادت إلى نقطة انطلاقها الأولى فى عام 2004 حين خرجت جماهير تطالب بالحرية والديمقراطية والكرامة الإنسانية وعدالة التوزيع. خرجت فى ثورة، شجعتها عليها قوى خارجية، أمريكية وأوروبية، ضد نظام الحكم القائم، وأقامت حكومة شارك فيها بعض قادة الثورة ورموزها الشهيرة. ولكن حدث أن أساءت هذه الحكومة التصرف، فتدهور الاقتصاد وانحدرت العلاقات مع روسيا. وكانت النتيجة أنه عندما جرت أول انتخابات ديمقراطية ونزيهة سقطت الحكومة، التى ترأسها صاحبة الضفيرة الذهبية. سقطت سقوطا مدويا وحلت محلها حكومة يقودها ممثل عن كبار الأغنياء الذين قامت ضد فسادهم ثورة البرتقال، يشجعها ويساندها النظام الحاكم فى روسيا بوعود المعونات وتسهيلات الغاز والنفط والتجارة.

كانت نتيجة انتخابات 2010 الجائزة التى حصلت عليها القوى الأوكرانية المنتفعة من التجارة مع روسيا والشخصيات العاملة فى التهريب وغسيل الأموال مكافأة على جهود عرقلة مهام المرحلة الانتقالية وإجهاض الثورة. وكانت انتصارا لروسيا التى اعتبرت أن الثوة البرتقالية، وغيرها من الثورات الملونة التى نشبت فى دول شرق أوروبا، جزءا من خطة محكمة رتبتها ونفذتها الولايات المتحدة ودول أوروبا الغربية، هدفها الأكبر اشتعال ثورة شعبية فى روسيا، ضد نظام حكم الرئيس بوتين.

•••

تشابهت ثورات العصر الجديد، العصر الذى افتتحته مقولة نهاية التاريخ. تشابهت بداياتها ومراحل تطورها صعودا وهبوطا، وتشابهت أزماتها، وتشابهت، بطبيعة الظروف والبيئة الدولية، بعض أسباب انطلاقها. تشابهت فى الكثير واختلفت فى القليل، وبخاصة فى التفاصيل والتوقيتات وفى أساليب رفض المؤسسات العتيقة لها.

لاحظنا على الأقل فى ثلاث أو أكثر من هذه الثورات، أن الطرق السلمية التى التزمتها هذه الثورات عند انطلاقها تبنت العنف فى مرحلة أخرى، إما بفعل فاعل جاء من خارج الثورات أو بحكم بقاء الثوار طويلا فى الميادين، اعتصاما أو تظاهرا. فى مصر مثلا جاءت مراحل طغت فيها أساليب العنف المتبادل على الأساليب السلمية، حتى المظاهرات، كأداة سلمية بامتياز، صارت بحكم القانون فى مرحلة محاولة استرداد الاستقرار، عملا عنيفا. وفى كييف سقط عشرات القتلى فى صدامات عنيفة بين المعتصمين فى «الميدان» وقوات الحكومة، انتهت باحتلال المتظاهرين قصر الرئاسة. وفى ميدان تقسيم باستانبول لم تتحمل حكومة أردوغان طويلا التظاهر السلمى واحتلال الثوار لأجزاء من الحديقة فاستخدمت قواتها العنف الذى ولد على الفور عنفا مضادا، مازال متفاعلا مع قمع وعنف قوى الأمن. حدث الشىء نفسه فى عدد من مدن فنزويلا وبخاصة فى كاركاس ومدن بتايلاند وبخاصة فى العاصمة بانجكوك.

بمتابعة تفاصيل هذه الحالات وغيرها أمكن لنا، كمجموعة نقاش، استنتاج أن معظم ثورات العصر الجديد تتحول بفعل الغضب المتولد عن العنف إلى «حالة ثورية مستدامة»، بمعنى أن شعوبا بعينها تعودت خلال السنوات الأخيرة من أن تمارس حياتها الطبيعية، تعمل وتتسوق وتتسلى، بينما الثورة مشتعلة، أحيانا لبضع ساعات وفى بضعة مواقع وأحيانا لأيام وشهور متواصلة وفى البلد بأسرها. هذه «الحالة المستدامة» من الغضب أو الثورة ستؤدى حتما أو لعلها أدت بالفعل إلى إعادة تكوين شخصية المواطن العادى فى هذه الدول. شخصية لها سماتها الخاصة. وربما كان هذا الاستنتاج الذى توصل إليه أصدقاء يحللون ويتابعون الثورات هو السبب وراء استخدام أحدهم عبارة «أدرينالين الثورة المعاصرة» ليعبر بها عن العناصر المؤثرة والمتسببة فى عمليات التجدد الانفعالى والحماسة المتقدة لدى شعوب هذه الثورات.

لاحظنا أيضا أن معظم هذه الثورات عاشت مهددة بالاختطاف من جانب القوى المالية وأصحاب المصالح، أى جماعة من كبار الأغنياء وأصحاب المال، لإعادة أمور الدولة، سياسة واقتصادا وقمعا وفسادا، إلى ما كانت عليه قبل نشوبها. حدث هذا فى أوكرانيا بعد انتخابات 2004، وكانت نزيهة. وحدث فى تايلاند فى أعقاب انتخابات ديمقراطية أيضا ونزيهة وشريفة، ويجرى فى مصر الإعداد للتوصل إلى نتائج مماثلة فى الانتخابات البرلمانية المقبلة، وقد ظهرت بالفعل بعض مقدماتها فى عمليات تمويل حملات الترويج للانتخابات الرئاسية التى يزمع وزير الدفاع الترشح فيها.

ولاحظنا أن الغضب والتوتر يتجددان فى المجتمعات التى تنطبق عليها صفة «الحالة الثورية المستدامة». تقديرى أن الناس تعرف، وتجد دائما من يذكرها، أن طبقة معينة كونت معظم ثرواتها فى زمن توحشت فيه الرأسمالية، أى فى مرحلة سرقت من التاريخ فكان سهلا عليها وميسرا لها شراء القطاع العام بأبخس الأثمان. أفراد هذه الطبقة اتخذوا مواقف معادية وأحيانا استأجروا العنف لضرب الثورة وتصفية الثوار وذهب بعضهم إلى حد تمويل بعض أنشطة العنف المنظم، عنف الدولة. هؤلاء الأفراد لا يتسترون فالجماهير الغاضبة فى تايلاند تعرفهم وكذلك جماهير فنزويلا وأوكرانيا ومصر. هؤلاء هم طاقة التجديد والاستمرار للثورات الناشبة فى تلك الدول.

هكذا تتحول معظم هذه الثورات المتعثرة إلى حالات ثورية مستدامة. يساعد فى هذا التحول حقيقة أن القوى الحاكمة والمتسلطة بمؤسساتها العتيقة والعاصية على التغير والإصلاح تمنع محاكمة المسئولين عن قتل المتظاهرين فى مختلف مواقع الثورة. إذ انه رغم مرور عشر سنوات على نشوب الثورة البرتقالية لم يصل التحقيق فى أحداث القتل التى جرت فى «الميدان» إلى نهايته المنطقية، وهى اعتقال المسئولين ومحاكمتهم. الشىء نفسه متكرر فى الثورة المصرية وثورة تايلاند، وها هو يبعث من جديد فى شيلى وغيرها من دول أمريكا اللاتينية. لذلك لم يكن مفاجئا أن يرفع المتظاهرون والمعتصمون فى ساحات الثورة الأوكرانية لافتات تحمل عبارة «المجد للأبطال» الذين سقطوا برصاص قوى البطش وعبارات تطالب بالقصاص من القتلة ومرتكبى جرائم التعذيب وتكبيل الحريات ومطاردة الثوار. ولم يكن مفاجئا للمراقبين الذين انشغلوا بعمل مقارنات بين الحالات الثورية المستدامة، إكتشاف أنه فى معظم هذه الحالات، تعمدت قوى الأمن الداخلى الاختفاء تماما من مسارح الأحداث لأيام أو أسابيع، لإتاحة الفرصة أمام القوى الغوغائية فى المناطق العشوائية لتخرج للنهب والسرقة والاختطاف، أملا فى أن تنفض الاعتصامات، ويتخلى المتظاهرون عن قياداتهم ليتفرغوا لحماية ممتلكاتهم وعائلاتهم، وفى النهاية تسد الطرق أمامهم إلا طريق «الاستقرار بأى ثمن».

كثيرة هى العناصر التى يمكن أن تتكاتف لمد أجل الثورات وتحويلها إلى حالات ثورية مستدامة. ذكرت منها عنصر القوى المالية الكبيرة المنتفعة من الصعود المستمر لقوى الليبرالية الجديدة المتوحشة، فى الغرب. منها التدهور المستمر فى العلاقة بين شعوب الثورات وقوى الأمن، وأحيانا جميع القوى العتيقة فى المجتمع وبعضها مستفيد من حالة الاستقطاب الاجتماعى والحضارى ليحمى إمتيازات الفئوية. ومن هذه العناصر، أيضا كما ذكرت، الرفض العنيد من جانب القوى الحاكمة لإدخال إصلاحات على أنظمة القضاء والأنظمة التى تضمن القصاص من القتلة والفاسدين والمعذبين والمخربين الحقيقيين لوحدة الأمة وسلامة أراضيها.

هذه العناصر ليست هى كل العناصر التى تساهم فى إطالة عمر الحالات الثورية. فهناك عناصر، ربما أقل أهمية وثانوية، يأتى فى مقدمتها الصراع الدولى على مناطق النفوذ، وهو العنصر البادى بوضوح بالغ فى تطورات الثورتين السورية والمصرية بشكل عام والثورة الأوكرانية بشكل خاص. هناك أيضا، الأزمة الاقتصادية العالمية التى باتت تمنع دولا فى الغرب، وبخاصة فى أمريكا والاتحاد الأوروبى، من تقديم مساعدات ترفع عن كاهل الثورات أعباء أزمات داخلية طاحنة. المثالان البارزان فى هذا الصدد هما مصر وأوكرانيا، حيث تجاوزت الأزمة فى كل منهما قدرات الاتحاد الأوروبى وأمريكا وروسيا، بل وربما دول الخليج، مما جعل الأمل ضعيفا فى الخروج من الأزمة فى وقت قريب، خاصة أن الدولتين مازالتا ترفضان وصفات صندوق النقد الدولى، المدعومة أوروبيا وأمريكيا، باعتبار أن تطبيق هذه الوصفات كافٍ وحده لتصعيد الغضب الشعبى وزيادة تعقيد الأزمة الاجتماعية والسياسية.

أقترح أن يعاد النظر فى خرائط الطريق المطروحة فى مصر وعدد من دول الثورات الربيعية. لقد افترض واضعو هذه الخرائط، سواء كانوا من خبراء الأمم المتحدة أو خبراء محليين أن لكل الثورات بداية ونهاية بينهما فترة محدودة من الوقت. تثبت مؤشرات عديدة أن معظم الثورات التى نشبت فى العقدين الأخيرين تحولت إلى حالات ثورية مستدامة، بمعنى أنها وجدت عناصر تمدها بالطاقة اللازمة لتجددها واستمرارها وتقف حائلا دون حل المعضلات التى أدت لنشوبها.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2024 ShoroukNews. All rights reserved