حرب إيران فى قلب الصراع على الممرات البحرية.. والوقت يداهم الجميع
معتمر أمين
آخر تحديث:
الجمعة 6 مارس 2026 - 6:35 م
بتوقيت القاهرة
استحوذت الحرب التى أشعلتها إسرائيل بمعاونة الولايات المتحدة ضد إيران على الفضاء السياسى والإعلامى، وفتحت الباب أمام موجة واسعة من التكهنات حول مستقبل الإقليم وتداعيات ما يجرى دوليًا. غير أن قراءة الأحداث باعتبارها مجرد جولة عسكرية جديدة بين الأطراف حول البرنامج النووى أو تغيير النظام تختزل المشهد إلى حدٍّ مخل. فالمعطيات المتاحة تشير إلى أن الصراع يتجاوز إيران ذاتها، ليتحول إلى ساحة ساخنة للتنافس الدولى الأوسع؛ تحاول فيها الولايات المتحدة إعادة ترتيب موازين القوة الإقليمية لصالحها ولصالح إسرائيل، فى ظل التحول المتسارع نحو نظام عالمى متعدد الأقطاب.
تتراكم مؤشرات هذا التحول منذ قرابة عقد، وفى قلبه التنافس التجارى والتكنولوجى بين الولايات المتحدة والصين، لا سيما على الممرات البحرية التى تُعد شرايين حيوية للاقتصاد العالمى.
فوفق بيانات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، يمر أكثر من 80% من التجارة العالمية بحرًا، ما يجعل المضائق الاستراتيجية نقاط ارتكاز لأى صراع جيوسياسى. بل إن السيطرة على هذه الممرات، من هرمز وباب المندب إلى قناة السويس والبوسفور، تُعد مقصدًا رئيسيًا فى الحسابات الاستراتيجية الأمريكية؛ بهدف رسم نطاق سيطرة أوسع يخنق الصين تجاريًا، ويحد من نفوذها الاقتصادى، ويضرب مشروع «طريق الحرير»، بعد أن تحولت الصين فى الاستراتيجية الأمريكية من «خطر وجودى» إلى «منافس اقتصادى» رئيسى.
حتى حرب غزة عام 2023، كانت الاستراتيجية الفعالة للتصدى لهذا المنافس تتمثل فى مشروع ممر الهند – أوروبا. لكن تداعيات الحرب فى غزة والمواجهات المفتوحة مع محور المقاومة، أو ما يُعرف بالمحور الشيعى، أدت إلى تغيير البيئة الاستراتيجية، ما استدعى تغييرًا فى طريقة التعامل مع هذه المقاومة المستعصية. فى هذا السياق تتقاطع مصالح الولايات المتحدة وإسرائيل وتتداخل خططهما فى الإجهاز على هذا المحور، تمهيدًا لفتح الطريق، ولو بالقوة، أمام ممر الهند – أوروبا، الذى ينافس – بل يحاصر – طريق الحرير من جهة، ويمكن إسرائيل من أداء دور المهيمن الإقليمى فى قلب الشرق الأوسط من جهة أخرى. لذلك تشن الدولتان حربًا تلو أخرى فى سبيل تحقيق هذه الأهداف.
• • •
ما يحدث اليوم هو الترجمة العملية لاستراتيجية الهيمنة التى تعيد صياغة الشرق الأوسط بطريقة شاملة، قد تختفى فيها دول وتظهر أخرى، وفق التصور الإسرائيلى – الأمريكى. فالمهم هو السيطرة على الممرات المائية الاقتصادية. فهى ليست مجرد خطوط جغرافية، بل عقد استراتيجية تتحكم فى تدفق الطاقة والسلع ورءوس الأموال. من هنا تكتسب مناطق مثل مضيق هرمز أهمية استثنائية، إذ يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية. وينطبق الأمر ذاته على مضيق باب المندب الذى يربط البحر الأحمر بخليج عدن، وعلى قناة السويس التى يمر عبرها ما يقرب من 12% من التجارة العالمية. كما ينطبق أيضًا على مضيقى البوسفور والدردنيل (المضائق التركية) اللذين يمر عبرهما نحو 3.1% من حجم التجارة البحرية العالمية.
إقليميًا، تقف إيران فى قلب العاصفة. فموقعها الجغرافى يمنحها تأثيرًا مباشرًا على مضيق هرمز، وسقوطها أو تفكيكها يحقق للاستراتيجية الأمريكية – الإسرائيلية هدفًا طالما سعت إليه. غير أن إسقاط النظام الإيرانى استعصى على هندسة «الثورات الملونة»، ومن ثم جاءت الحرب المفتوحة. لكنها حتى الآن تظل حربًا جوية لا يمكنها وحدها إسقاط النظام. ولذلك نشهد الآن مرحلة تالية فى المخطط، بعد تواتر الأنباء عن مكالمة بين الرئيس دونالد ترامب والقيادى الكردى الإيرانى مصطفى الهجرى، رئيس الحزب الديمقراطى الكردستانى الإيرانى، الذى يعمل ضمن مجموعة كردية إيرانية تتمركز فى شمال شرق العراق. وقد أصبحت هذه الجماعات فى حالة تأهب قصوى، وسط أنباء متضاربة حول احتمال شنها هجومًا بريًا على إيران. وقد قوبل ذلك برد فعل إيرانى عنيف تمثل فى استهدافها بالقصف المباشر كإجراء أولى.
فى المقابل، يحذر قادة الأكراد العراقيون من تطور رد الفعل الإيرانى، الذى قد يتمثل فى تحريك الميليشيات الموالية لطهران داخل العراق لضرب أى تحرك كردى برى، بما قد يزعزع استقرار إقليم كردستان. وفى الوقت نفسه، أخذت رقعة المواجهة فى التوسع مع فتح جبهة جنوب لبنان، ومشاركة حزب الله الفاعلة، التى فاجأت إسرائيل بقدرته على إصابة أهداف فى العمق الإسرائيلى. غير أن الخطط الإسرائيلية الكبرى، التى تطمح إلى ابتلاع جنوب لبنان حتى ما بعد نهر الليطانى، ترى فى دخول الحزب إلى المواجهة فرصة لشرعنة هذا التمدد.
وفى هذا الجزء من المواجهة يبرز دور قوات أحمد الشرع فى سوريا، التى حشدت آلافًا من مقاتليها على الحدود اللبنانية لمنع النزوح إلى سوريا، علمًا بأن النازحين لا يشكلون تهديدًا عسكريًا، لكن الأدوار فى هذه الحرب تبدو موزعة بعناية.
يقع الخليج بدوره فى أتون هذه المعارك الدائرة، إذ وجد نفسه بلا حماية حقيقية بعد تعرض معظم القواعد الأمريكية للاستهداف، وخروج بعض الرادارات الأمريكية من الخدمة. وحتى الآن يتصرف قادة الخليج وفق المعطيات المتاحة، فلا يتحركون لشن عمل مضاد، بعدما هددت إيران بالانتقال من استهداف القواعد الأمريكية إلى استهداف أنظمة الحكم ذاتها.
ومن ثم فإن الحديث عن اختفاء دول أو إعادة رسم خرائط شاملة لم يعد سابقًا لأوانه، بل أصبح تعبيرًا عن مخاوف حقيقية.
• • •
ما يجرى يتجاوز كونه مجرد مواجهة عسكرية؛ إنه اختبار لقدرة القوى الإقليمية والدولية على إدارة تنافسها أو صراعها فى بيئة شديدة الهشاشة. فمن ناحية، لا تهدد إسرائيل المحور الشيعى فقط، بل تعمل أيضًا على إطلاق محور جديد أو تحالف سداسى مناوئ، تتزعمه بنفسها مع الهند، ويضم قبرص واليونان، إضافة إلى دولة عربية وأخرى إفريقية لم يسمِّهما بنيامين نتنياهو بعد. وعلى الرغم من أن هذه الفكرة لا تزال فى إطار النوايا، فإن ثمة تحركات فى المنطقة لمواجهة هذا التحالف المحتمل، لا سيما بعد إشارات إسرائيلية تهدد ما تبقى من القوة السنية فى الإقليم. حتى إن نفتالى بينيت، رئيس الوزراء الإسرائيلى الأسبق، هدد تركيا قائلًا إنها «إيران الجديدة».
فى المقابل، تتبلور نوايا لتشكيل تحالف رباعى يضم السعودية وباكستان، مع تقارب محتمل من كل من تركيا ومصر. وإذا تطور هذا المسار فقد يشكل توازنًا فى القوة أمام التهديدات التى تحيط بالإقليم.
على الصعيد الدولى، تبدو الصين وروسيا لاعبين من وراء الستار. فهما تؤيدان إيران لأن سقوطها سيغير توازنات القوة لصالح الولايات المتحدة فى آسيا الوسطى، عند خاصرة الدولتين. ومع ذلك فإن دعمهما لطهران يظل محدودًا إلى حد كبير، إذ تخشيان الانجرار المباشر إلى أتون المواجهة، بينما تستفيد كل منهما من الوضع القائم. فكلما انخرطت الولايات المتحدة أكثر فى حرب مع إيران وطال أمدها واستنزفت مواردها وذخائرها، تقلص دعمها لأوكرانيا بما يصب فى مصلحة روسيا، وتراجعت قدرتها على حماية تايوان بما يخدم حسابات الصين. ولهذا تبدو الولايات المتحدة فى طور إعادة تقييم أدوارها الدولية، إذ تطالب الدول الأوروبية بتحمل مسئولية أكبر عن أمنها، فى إطار إعادة توزيع الأعباء.
لذلك يبدو الوقت هو السلاح الأمضى فى هذه الحرب.
باحث فى مجال السياسة والعلاقات الدولية