تأمّلات فى فعل رفأ
صحافة عربية
آخر تحديث:
الإثنين 6 أبريل 2026 - 7:00 م
بتوقيت القاهرة
نشرت جريدة الخليج الإماراتية مقالا للكاتب عبداللطيف الزبيدى، يؤكد فيه على ضرورة «الرَّفاء» العربى (بمعنى الإصلاح، والالتئام، والسكينة) كسبيل وحيد للنجاة من أمواج الحروب والفتن. كما يدعو الكاتب إلى الانتقال من حالة «التشظى» التى تفرضها الحروب والمؤامرات الخارجية إلى حالة «الارتقاء» بالعلاقات العربية لتصل إلى «مرفأ» الأمان، من خلال الوحدة القائمة على العقلانية والمصالح المشتركة.. نعرض من المقال ما يلى:
ما هى الدروس التى ستستخلص، حين تستوى سفينة الحرب على جوديّها، ونقول بُعدًا للقوم الظالمين؟
على ذكر الرّسوّ، وكلنا يسأل الله: هذه الحرب أيّان مُرساها ومنتهاها؟ من الأفعال الثرية فى لغتنا، الفعل الثلاثى «رفأ»، الذى ينثره الناس فى التهنئات بالزواج: «بالرّفاء والبنين». هو كما يعلم القارئ الكريم، مأخوذ من رفأ الثوب، أى خاطه ووصل أجزاءه. ألا ترى بيان الذكر الحكيم: «هنّ لباس لكم وأنتم لباس لهنّ» (البقرة 187)؟
أمّا عن الوصول إلى شاطئ الأمان، فالفعل أرفأ السفينة، أى قرّبها من المرفأ، لتستقر على الميناء بأمان. من مفارقات الحرب أنه عندما تدور رحاها، يغدو من العسير التفكير بالطرائق التى كانت متاحةً وممكنةً قبل دوران الرحى. غالبًا ما يجب انتظار أن تحط الكريهة رحالها وأوزارها لحساب النتائج، وكم هى كريهة. هى تشبه المروحة الكهربائية. فى حالة السكون، من السهل عدّ الشفرات. بعد التشغيل تصبح الشفرات رماحًا. لكن العقلاء الحكماء لا يتجرّدون من الاستشراف المسلح بالرادارات العملاقة، فقد لا يكون المستفيد طرفًا فردًا مفردًا. فى بعض المواقف، يكون المتربّص فى ظاهر الأمر منتحلًا دور النصير الظهير، بينما هو فى قرارة نفسه، ينتظر المكاسب والغنائم. فى المسرح التراجيدى، منذ اليونان القديمة، إلى روما، وشكسبير، ثم راسين وكورناى الفرنسيين، فأعمال الإسكندنافيين دروس من مكر النفوس.
على رأس قائمة الدسائس، وما تبطن من وساوس، تجزئة المجزأ، وتقسيم المقسّم، وتحويل وسائط التواصل إلى تقاطع وتباعد. مبتغى المغرضين أن يصير الأشقاء فرقاء. على العرب جميعًا إعادة قراءة التاريخ القريب منه والبعيد، للوقوف الفاحص على آليات المؤامرات التخريبية.
العقود الثلاثة الأخيرة وحدها كافية لإدراك ما وراء الفوضى المدمّرة، غير الخلاّقة. هو ذا المعنى المعجمى الذى يحتاج إليه العرب اليوم وغدًا، من معانى هذا الفعل. يقال رفأ بين القوم، أى جمع شملهم وأصلح بينهم. لكن هذا الثلاثى الظريف لم يهمل العنصر المهمّ لبلوغ المقصد والمرام؛ فلكى يتصالح الناس ويلتئم جمعهم على كلمة سواء، يجب أن يتحقق المعنى الآخر لهذا الفعل. تقول: رفأه بمعنى أدخل على نفسه السكينة والطمأنينة.
لزوم ما يلزم: النتيجة اليقينية: لا توجد تركيبة أو تشكيلة لبلدان العالم العربي، أفضل من إعادة بناء العلاقات، ولكن على أسس عقلانية وتبادل مصالح وتكامل.