الخديعة والحرب

مصطفى الفقي
مصطفى الفقي

آخر تحديث: الإثنين 6 أبريل 2026 - 6:40 م بتوقيت القاهرة

قالوا قديما الحرب خديعة وكل طرف فيها يبحث عن ثغرات لدى خصمه ولا يتردد فى الفتك بعدوه حيث تختفى القيم وتتوارى الرحمة ويظهر فى البشر أسوأ ما لديهم، وقديما قالوا أيضا شيئان يباح فيهما كل أمر وهما الحب والحرب، لذلك كانت مفاجآت الرئيس الأمريكى ترامب لإيران فى المرة الأولى والثانية أمرا معتادا فى الحروب ومعروفا فى التمويه العسكرى رحم الله السادات ومصر المحروسة دائما حين تمكنت القوات المسلحة المصرية من طرح برنامج متكامل للتمويه العسكرى قبيل حرب عام 1973، فتح باب العمرة للضباط والجنود بدون مقدمات، برامج استقبالات عسكرية لضيوف كبار تصادف يوم بداية الحرب أو قبله بقليل، فتح الإجازات بشكل متعمد فى بعض القطاعات من المجندين ورجال القوات المسلحة بل كان فريق الجيش المصرى يلعب مباراة على الضفة الغربية من القناة فى رسالة تطمين، وقد أتى الأمر بكل نتائجه فى يوم الاحتفال بإحدى المناسبات الدينية لدى إسرائيل حينذاك، فكان عنصر المفاجأة قاصما ومذهلا ومدويا فقد عبر الجيش المصرى قناة السويس بما يشبه المعجزة ودارت الحرب التى لم يهزم فيها العرب عسكريا لأول مرة فى الحروب الأخيرة مع إسرائيل. ولعلنا نتذكر أن أحد أسباب هزيمة المسلمين فى (غزوة أحد) كان هو انصرافهم لجمع الغنائم تحت انطباع أن النصر قد اكتمل وأن الطرف الآخر سوف يفر بينما هو يلتف حول جيش المسلمين مطوقا لهم ومسببا خسائر فادحة بجيش الإسلام فى ذلك اليوم الذى تتذكر فيه الذاكرة العربية والإسلامية أسباب الخروج على النص العسكرى والانصراف إلى المغانم البشرية، لقد قصدت من هذه المقدمة أن أقول أن الحرب خديعة عرفها البشر فى معركة طروادة وحصانها الشهير والخديعة التى سقط فيها أحد الطرفين فكانت هزيمتهم نكراء، ويبدو أن مدرسة ترامب فى الحروب الحديثة تضع للتفسير النفسى والتمويه الدعائى جانبا هاما من كيمياء الحرب وطبيعتها الدامية، ويهمنى هنا أن أسجل الملاحظات التالية:


أولا: إن الحروب الحديثة لم تعد منازلة بالسيوف يقودها رجال شجعان ولم تعد حرب قوة فقط أو شجاعة دون غيرها بل أصبحت مزيجا متداخلا من الأسباب والعوامل التى تسمح بتفوق طرف على آخر، ولذلك فإن العقل السياسى للقائد العسكرى هو أمر مطلوب حتى يتمكن المحاربون الأذكياء من اختراق الصفوف والدوران عكس التوقعات بحرب الدهاء والذكاء والتضليل الإعلامى والتخويف المتعمد للنيل من صلابة الخصم وإرسال بالونات اختبار وهمية تجعله مهتز الكيان ما لم يكن صلب البنيان مؤمنا برسالته حاملا قضيته على كتفه تحت شعار النصر أو الموت.


ثانيا: إن الحرب البرية لم تعد وحدها هى سيدة المعارك ولكنها بالتأكيد صاحبة المشهد الختامى فى الحروب عبر التاريخ فهى التى تقدم الفصل الأخير وتعطى شارة النصر لمن يستحق، والحروب لا تنتهى فى الميادين ولكن يسدل عليها الستار فى قاعة المفاوضات وأروقة الدبلوماسية المعاصرة بما لها وما عليها، لذلك فإن المتحاربين مهما طال قتالهم سوف يجلسون ذات يوم على مائدة التفاوض نصرا أو هزيمة فلابد لكل شىء من نهاية والحياة هى التى تنتصر دائما، أما أولئك الذين يطفئون شموع السلام فإنهم يبحثون عن الخراب والدمار الذى توقعنا أن تتخلص منه البشرية بعد معاناة طويلة.


ثالثا: إن العدوان المفاجئ وغير المبرر وحجم النيران على دول الخليج العربى المسالمة هو أمر يصعب تفسيره وهو يدل على أن طهران تصرفت فى أجواء اليأس بما لم يجب وأنها أقدمت على خطيئة كبرى فى حق جيرانها الذين لم يقفوا ضدها أبدا ولكنهم كانوا يطلبون الاستقرار والأمن والسلام لشعوبهم العربية، ولكن إيران لم تراعِ حق الجيران وأقدمت على عمل يحار المرء فى تفسيره وإن كان يندرج فى وجهة نظرى تحت عنوان التخبط العسكرى وإلقاء (كرسى فى الكلوب) لإطفاء الأنوار وطمس الحقائق، ولقد ترك ذلك العدوان جرحا غائرا لا يندمل لأنه كان مفاجأة غير محسوبة على الجانب العربى الذى كان ينادى بضرورة التوقف عن الحروب وترك الشرق الأوسط مسرحا للسلام والاعتدال والوسطية.


رابعا: إن دول الخليج العربى لا تنقصها الإمكانات المادية وبالتالى لا تفتقد إلى السلاح الحديث ولكنها لم تضع فى حسبانها أبدا أن يأتيها العدوان من الجار المسلم الذى تعايشت معه عبر القرون، فإذا الطعنة تأتى منه، وكأن إيران كانت تبدأ حرب اليائس الذى يقول (علىَّ وعلى أعدائى) أيا كانوا دون تفرقة أو تمييز بين العدو والصديق فتوجه سهامها إلى شعوب إسلامية آمنة تنشد السلام وتبغى العدل وتطلب دائما الأمن والأمان، وكأن الإسلام الحنيف لم يؤكد على حق الجار وسلامته وأمنه بحيث تساوت لدى طهران النظرة تجاه الجميع بلا تفرقة أو تمييز فبدأت ترسل أسلحتها الجوية دون ضابط أو رابط وبلا تفكير محسوب فكانت النتيجة كما رأيناها على مسرح الأحداث حيث توجه إيران التى ترفع شعار الجمهورية الإسلامية سهامها إلى دول مسلمة لم تقف منها موقف الأعداء من قبل، إنه موقف مؤلم تستثمره آلة الحرب الأمريكية ويدها الباطشة فى ظل رئيس لا يمكن التنبؤ بردود فعله ولا وضع حد لسقف التوقعات لتصرفاته وتكون النتيجة هى فقدان الثقة التى تراكمت عبر التاريخ وتحول الجيرة إلى مصدر للحيرة! ولا نكاد نعرف الدوافع الحقيقية والأهداف الأصلية للتصرف الإيرانى غير المسبوق فى المضى على طريق مغامرة غير محسوبة بلا وعى أو غاية.


خامسا: لا يختلف اثنان على أن ذلك الجرح الغائر الذى تركته الأحداث الإسرائيلية الأمريكية على دول الخليج العربى لن يمضى بلا نتائج ولكن له حساباته الكبرى فهو يعنى إعادة النظر فى كثير من المسلمات والبحث فيما وراء الأفكار والأفعال للتعرف على الأسباب الحقيقية الكامنة وراء الأحداث، فالشرق الأوسط لن يعود إلى ما كان عليه كما أن فضاء غرب آسيا لن يمضى على نفس الطريق بل إن هناك أسبابا ودوافع توحى بأن عصرا جديدا يطل على المنطقة بسلبياته وإيجابياته لملء الفراغ واستعادة الثقة المفقودة بحثا عن دفئ الجوار الذى يفتقده أشقاؤنا فى دول الخليج العربى، وعلى إيران أن تعى أن ما فعلته لم يكن عدوانا على العروبة والإسلام فقط ولكنه يأتى خصما من التماسك العربى والتضامن القومى الذى نطالب به منذ عقود، وسوف تنتهز إسرائيل بدعم من الولايات المتحدة الأمريكية الظروف الجديدة لمحاولة العبث بخريطة المنطقة لإعادة توزيع الكيانات ورسم الحدود كذلك فإن أحداث غزة قد توارت تكاد تحجبها ستائر النسيان كما أن ظلال السلام لن تلوح فى الأفق قريبا فقد طغت الأحداث الجديدة على سابقاتها وأصبحنا أمام معادلة صعبة بكل المعايير وتولدت عن أحداث الحرب الأخيرة التى تدور رحاها على امتداد خريطة الشرق الأوسط والإقليم العربى فى غرب آسيا بما يوحى بأن الأمر يحتاج إلى نهاية مشتركة تقبل بها كل الأطراف من أجل التعايش والجوار والحياة العصرية المنشودة، ولقد برز من أحداث هذه الحرب أزمات أخرى ومشكلات أكبر سواء بتحرك حزب الله فى لبنان أو تلويحات الحوثيين فى اليمن أو غياب المصداقية أمام التيار الجارف للأحداث المتتالية التى جرفت أمامها عصورا طويلة وقرونا مضت من التشابه الدينى والارتباط القومى.
هذه قراءة تحت هذا العنوان الصادم الذى يربط بين الخديعة والحرب حتى يدرك الجميع أن الأمن والسلم الدوليين لا يتحققان إلا ببناء الثقة واعتراف الأطراف بأخطائها والمضى على نهج جديد من الاحترام المتبادل وصدق النوايا وحسن الجوار.

نقلا عن إندبندنت عربية

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved