التفتيش فى النوايا

عمرو هاشم ربيع
عمرو هاشم ربيع

آخر تحديث: الخميس 6 مايو 2021 - 10:10 م بتوقيت القاهرة

أعلن النائب السكندرى عبدالفتاح محمد أمين سر لجنة القوى العاملة بمجلس النواب، عن اعتزامه التقدم بمشروع قانون أمام المجلس يقضى بفصل العاملين بالجهات التابعة للدولة، والذين يثبت انتماؤهم لجماعة الإخوان المسلمين أو المتعاطفين معها. وقال النائب إن المشروع سيشتمل على مادة تنص على أنه «إذا حدث شك تجاه موظف يعمل فى أية مؤسسة حكومية أنه عضو فى جماعة الإخوان الإرهابية أو متعاطف معهم سوف يتم استبعاده بشكل مؤقت، ولو ثبت بعد التحرى أنه ينتمى لتلك الجماعة سيتم فصله نهائيًا». وقال إن جميع الجهات المعنية ستشارك فى البحث والتحرى عن هؤلاء الموظفين، بالرغم من أنهم معروفون لدى الجهات المعنية. وذكر أن مشروعه سيكون دستوريًا ما دام هناك حكم بأن جماعة الإخوان محظورة وإرهابية، مطالبًا القطاع الخاص بأن يحذو حذوه. وقد جاء كل ذلك عقب إشارة وزير النقل بالبرلمان إلى أن هناك بالوزارة عناصر من تلك الجماعة، وأن هناك حاجة لتعديل تشريعى لقانون الخدمة المدنية لفصل هؤلاء، ومؤقتًا توزيع الفنيين المتطرفين على أماكن عمل أخرى لحين تعديل القانون الذى سيسمح بالتخلص من هؤلاء.
من حيث الشكل يبدو أن هناك أكثر من إشكالية لهذا الموضوع. فأولا أن الحديث هنا هو عن مشروع قانون وليس اقتراح قانون مقدم من عضو، والفرق بين الاثنين هو أن المشروع سيأخذ عليه موافقة 60 نائبا على الأقل، ومن ثم سيكون التدقيق فى النواحى الدستورية فيه سيكون متعجلا ومتسرعا، لأنه لن يمر على لجنة الاقتراحات والشكاوى.
ثانيًا، أن المقترح مقدم من نائب حزب مستقبل وطن وليس من نائب مستقل، ما يعنى أن هناك توجها حزبيا من حزب الأغلبية بالبرلمان لذلك، ما يجعل الحديث هنا عن سياسة جديدة وتوجه حقيقى، وليس مجرد رد فعل وقتى أو عمل عشوائى متسرع لا يتسم بالتخطيط المسبق.
أما من ناحية المضمون، فهناك عديد الإشكاليات. فأولا: أن المشروع المقترح بدا أنه رد فعل لكلام وزير النقل فى البرلمان، الذى اتسم بالذكاء الشديد، فبدلا من أن يلام الوزير من قبل المجلس على نواكب السكك الحديدية المتكررة والتى لا تنتهى، راح إلى المجلس وألقى الكرة فى ملعبه بمطالبته بسن تشريع سيوقف حوادث القطارات!!
ثانيًا: إن المشروع رغم ما يبدو عنه أنه متوافق مع قانون صدر عقب 30 يونيو 2013 باعتبار جماعة الإخوان إرهابية، إلا أنه يصطدم بأكثر من مادة فى الدستور، بل يتنازع مع عديد المبادئ القانونية الواردة فى نصوص قوانين محددة، وكذلك أحكام المحاكم، وكلها تطعن بشدة فى الأمور التى تجعل ملاحقة الأفراد فى المجتمع تتم عبر سياسات الشك والإبلاغ والاتهامات المرسلة والكيدية والانتقامية والتفتيش فى النوايا، بغية تصفية الحسابات، سواء بين الإدارة والموظفين (وهذا هو الشق الأقل أهمية)، لكن الأهم هو ما بين الناس أنفسهم، ما سيثير الفتن والضغائن والأحقاد بين الناس، ويجعل الجميع يلتفت خلفه أثناء السير خشية أن يكون ملاحقا من جار أو قريب أو زميل عمل أو صهر أو خلافه. وكل ذلك هو ما فتئت عليه بعض الدول الشمولية قديمًا، وما زال معمولًا به فى بعض البلدان القليلة جدًا والتى يعد سجلها فى مجال حقوق الإنسان الدولى ملوثًا وملطخًا بالعار والخزى، كإيران أو كوريا الشمالية.
ثالثا: إن مشروع القانون يحول دفة البرلمان لاتجاه آخر، فبدلا من أن يقوم مجلس النواب بتنفيذ م241 من الدستور التى تقول بسن قانون العدالة الانتقالية فى الدورة الأولى له عقب نفاذ الدستور أى بحد أقصى عام 2015، يدعو المشروع البرلمان إلى سن تشريع مضاد لتلك المادة بالكلية. جدير بالذكر أن قانون العدالة الانتقالية الذى صدر عن عدة دول عقب أحداث مماثلة للتى جرت فى مصر، لا ينص كما هو يشاع من قبل بعض الأبواق الإعلامية على التغاضى عن جرائم جماعات معينة، إذ إنه ينص على تقديم من تلوثت إيديهم بدماء الأبرياء للمحاكمة العادلة والنزيهة، ولمن هم أقل درجة ممن ارتكبوا تلك الأعمال تنص القوانين الدولية المشابهة (دولة جنوب إفريقية أنموذجًا)على الاعتراف العلنى بالخطأ وإعلان التبرأ منه، وطلب الصفح والعفو من المجتمع ومن المتضررين، ودفع الغرامات وتعويض الخسائر وغيره.
إن أفضل ما يمكن أن يقال بغية تعقب الإرهاب داخل الجهاز الإدارى للدولة، بدلا من التفتيش فى النوايا، هو الرقابة الشديدة على الهياكل الإدارية بغية ترشيد الأداء، ومعالجة القصور ومحاسبة المخطئين، بدلا من التفتيش فى النوايا.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2021 ShoroukNews. All rights reserved