أحاديث «السيادة» وواقعها

محمود محي الدين
محمود محي الدين

آخر تحديث: الأربعاء 6 مايو 2026 - 7:50 م بتوقيت القاهرة

حرب باردة ثالثة يعيشها العالم؛ إذ يمكن تصنيف الفترة الماضية منذ الحرب العالمية الثانية بفترة الحرب الباردة الأولى من 1947 حتى 1989 بسقوط حائط برلين، ثم سلام بارد من 1990 حتى 2014 بضم روسيا للقرم، لتبدأ الحرب الباردة الثانية حتى عام 2024. وشهدت هذه الفترة تقاربًا روسيًا - صينيًا فى مواجهة التصعيد الأمريكى وتنوعًا فى أطر المواجهة والتنافس المحموم بما يتعدى نطاق القوة العسكرية إلى البنية الرقمية والتكنولوجية والذكاء الاصطناعى، والأمن السيبرانى وتسليح شبكات التمويل والتحويلات النقدية، مثلما حدث بمنع استخدام روسيا آلية «سويفت». وقد احتفظت الحرب الباردة الثانية بسمات من الحرب الباردة الأولى مثل الردع النووى والحروب بالوكالة فى بعض الأقاليم كما حدث فى أوكرانيا، وكذلك على الأراضى السورية قبل سقوط نظامها السابق.

 


وكان من الوارد وصف الفترة الراهنة التى بدأت بولاية الرئيس الأمريكى دونالد ترامب الثانية بأنها امتداد للحرب الباردة الثانية، إلا أنه وفقًا لرأى بارى بوزان، أستاذ العلاقات الدولية بمدرسة لندن للاقتصاد والعلوم السياسية، لا يمكن تجاهل ما حدث من تصدع فى الجبهة الغربية وتوتر العلاقات الاقتصادية والسياسية بين أطرافها، واتساع النزاعات الجيواقتصادية بامتداد الحرب التجارية بين أضلاع ما كان يعرف بالمعسكر الغربى، وتفاقم الأوضاع الجيوسياسية بالتهديد بغزو أراضٍ تابعة لحلفاء الأمس. ويلخص الكاتب جيدون راكمان هذه التطورات السلبية فى مقال أخير له بصحيفة «الفاينانشال تايمز» عن طلاق أمريكى - أوروبى يمنعه أن الجانبين محصوران فى زواج لم يعد سعيدًا، لكن تحكمه ما جعل من الولايات المتحدة إمبراطورية بتلبيتها دعوة أوروبية بالبقاء على أرضها بعد نهاية الحرب العالمية الثانية حتى اليوم، بأكثر من 40 قاعدة عسكرية تضم نحو 85000 جندى تستند إليها منظومة الدفاع الأوروبية بلا بديل قائم. ولما كان من الثوابت أن البقاء للأبد ليس من سمات التحالفات بأنواعها، فمن المتصور أن يشهد العالم نهاية، وإن كانت غير قريبة، لهذا الوضع.
وفى هذه الأثناء، يستمر تحرك مركز جاذبية الاقتصاد العالمى نحو الشرق ليعكس تصاعد الوزن النسبى للصين والهند وباقى نصف العالم الآسيوى بما فى ذلك مجموعة «آسيان». ورغم أن هذه البلدان لا تبادر باختلاق دوافع لحرب عالمية باردة أو ساخنة، فالسلم والاستقرار مُعينان لها على استمرار نموها والتقدم فى إحراز أهداف التنمية، فإن عليها التحوط المستمر كحال بلداننا من عالم الجنوب ضد مكامن الخطر الظاهر، بخاصة فى مجالات التكنولوجيا والتمويل والنقد والاختلالات الديموغرافية.
كما لا يغيب عن المتابعين للمؤتمرات والفعاليات الدولية الأخيرة ما يظهر بتكرار مُلحّ لأوجه مشتركة بينها رغم تباين موضوعاتها. فعلى مدار شهر أبريل الماضى شاركتُ فى اجتماعات الربيع للبنك الدولى وصندوق النقد الدولى ومنتدى الأمم المتحدة لتمويل التنمية، وتابعت مؤتمر «سانتا مارتا»، فضلًا عن المشاركة فى جلسات تحضيرية لمؤتمرات دولية وإقليمية ستعقد فى الشهور المقبلة عن التنمية، والمياه، والغذاء، والديون، والاستثمار، والابتكارات والتكنولوجيا. وتلاحظ هيمنة مصطلح «اللايقين» فى وصف ما هو قائم ومحاولة استشراف المستقبل. وهو وصف لائق فى ظل الظرف العالمى الراهن وأبعاده. كما أن هناك ثلاثة معايير تتكرر فى تحديد أولويات التعامل مع أخطر القضايا التى ترتبط بها حياة البشر وأسباب معيشتهم: وهى الأمن والسيادة والاستدامة. ولتتابع أحاديث المسئولين فى هذه القضايا الخمس تحديدًا: المياه، والطاقة، والغذاء، والتكنولوجيا، والتمويل الذى يشمل أيضًا الديون ومستقبل العملات الدولية.
ولنأخذ موضوع الطاقة مثلًا لما يجرى فى شأنه من تطورات ارتبطت بالحرب الأخيرة فى الشرق الأوسط، وكانت محلًا لنقاش المجتمعين من 57 دولة فى مؤتمر «سانتا مارتا» للطاقة الذى عُقد فى كولومبيا، الأسبوع الماضى. وقد تم التطرق لتعجيل التحول الطاقوى بتطوير خطط طريق وطنية وإقليمية تربط بإطار اتفاق الأمم المتحدة لتغير المناخ، والتنسيق فى السياسات التجارية، والتعامل مع أبعاد التمويل بما فى ذلك الحيز المالى، والدعم، وفخاخ الديون المعوّقة للتحول.
ومع تكرار لتعهدات عن التخلى عن الوقود الأحفورى مع حلول عام 2050، برز التأكيد على أن الأمر لا يتعلق فقط بالتصدى لتغيرات المناخ فحسب «لكن أيضًا لسيادة الطاقة والأمن الاقتصادي» وفقًا للمتحدثة البرازيلية أنا تونى. وكذلك أشارت راتشل كايت مبعوثة المناخ البريطانية إلى أن الأزمة الراهنة تثبت أن عدم الاستقرار وانعدام الأمن يجب أن ينتهيا بالتخارج من حالة الاعتماد على الوقود الأحفورى الراهنة. قد تتداخل أولويات السيادة والأمن والاستدامة لدى بعض المتحدثين، لكن دوافعها مختلفة وكذلك سبل تحقيقها. فمفهوم السيادة أشمل ويعنى السيطرة على الطاقة بتنوع مصادرها والاطمئنان إليها عبر سلاسل الإمداد من المصادر حتى نهايات الاستخدام استهلاكًا أو إنتاجًا. وأمن الطاقة يتحقق بتوافر مصادرها كمية وقبولها سعرًا بلا مربكات معوّقة. أما الاستدامة فتدمج الاعتبارات المناخية والبيئية مع الأبعاد الاقتصادية وحقوق الأجيال القادمة معًا.
ومن البديهى أن لكل واحدة من هذه الأولويات الثلاث - المتمثلة فى السيادة والأمن والاستدامة - سياسات ومؤسسات ينبغى التنسيق بينها حتى لا تتعارض فيما بينها وتتبدد الموارد. ولكن فى ظل ما بدأه هذا المقال من وصف للأوضاع العالمية التى يكتنفها عجز الثقة والغموض فى مساراتها السياسية التى تعقدها الحرب الباردة الثالثة، ويضر باقتصادها حالة اللايقين بفائض من الأزمات، فيصير البون شاسعًا بين حديث السيادة وأفعالها، والأمن ومقتضياته، والاستدامة ومتطلباتها؛ سواء كان ذلك متعلقًا بالطاقة أو بالمياه أو بالمواضيع الحيوية الأخرى.

 

 

نقلًا عن الشرق الأوسط

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved