ليس خصمًا على مصر

فهمي هويدي
فهمي هويدي

آخر تحديث: الأحد 6 يونيو 2010 - 1:35 م بتوقيت القاهرة

 
أشم فى بعض الكتابات المنشورة هذه الأيام محاولات للنيل من الدور التركى، والوقيعة بين أنقرة والقاهرة. وما يحيرنى فى تلك الكتابات أنها تستخدم منابر محسوبة على بعض الأنظمة، ومنها ما هو ناطق باسم أجنحة نافذة داخل تلك الأنظمة.

أدرى أن الجريمة التى ارتكبتها إسرائيل بحق قافلة الحرية المتجهة إلى غزة، حين انقضت عليها فى المياه الدولية وقتلت بعض ركابها العزل أحرجت أركان وأبواق أصدقاء إسرائيل «المعتدلين» فى العالم العربى، إلا أن محاولة تعويض ذلك الحرج ومداراته من خلال أمثال تلك الكتابات الخبيثة تعد موقفا مستهجنا سياسيا وأخلاقيا.

صحيح أن ثمة صعودا تركيا مشهودا فى المنطقة، كما أن ثمة تراجعا مشهودا بنفس القدر للدور المصرى. ولكن الأول له أسبابه الموضوعية، التى لا تعد بالضرورة خصما على الدور المصرى، كما أن التراجع الثانى له أيضا أسبابه الموضوعية التى لا علاقة لها بالصعود التركى.

بكلام آخر، فإن أحدا لا يستطيع أن يدعى بأنه لولا الصعود التركى لما كان التراجع المصرى، وغاية ما يمكن أن يقال إن الأداء التركى كشف حجم ومدى القصور فى الدور المصرى. لكن ذلك ينبغى ألا يحسب على الأتراك، ثم إنه لا يعالج بالانتقاص من دور بلدهم أو تشويهه، وإذا كان لابد من الحديث عن علاج فإن خطاب الغيورين والمخلصين ينبغى أن يتجه إلى استنهاض الدور المصرى والدعوة لاستعادة مواضع القوة فيه.

حتى إذا قيل إن الأتراك لهم مشروعهم وتطلعاتهم. فتلك ليست تهمة، لأن ذلك شأن أى دولة محترمة ولا غضاضة منه، طالما أن تطلعاتها لا تشكل عدوانا على الآخرين. من ثم فالمأخذ ليس أن يكون للدولة مشروع، فى حين أن النقيصة الكبرى ألا يكون للدولة مشروع. من ثم فاللوم والنقد ليس لهما أن يوجها إلى الذين يعملون، وإنما يجب أن يكونا من نصيب القاعدين الذين لا يعملون.

الأهم من ذلك كله أن الذين يتصورون أن النيل من الدور التركى يمكن أن يصب فى مصلحة الدور المصرى. لا يعبرون عن العجز وقصر النظر فحسب، وإنما أيضا عن جهل مطبق بحقيقة العلاقة بين البلدين. إذ رغم التباين النسبى فى مواقفهما، فإن العلاقة بينهما تقوم على التفاهم والتوازى بأكثر مما تقوم على التنافس والتقاطع. ومعلوماتى أن تعاونهما نشط فى مجالات عدة، وزيارة رئيس الأركان التركى لمصر فى الأسبوع الماضى، التى كانت ردا على زيارة وزير الدفاع المصرى لأنقرة فى شهر ديسمبر من العام الماضى، مؤشر على آفاق العلاقات بين البلدين، التى شملت مجالات عدة يتقدمها النشاط الاقتصادى الذى تتقدم وتيرته بسرعة (260 شركة تركية تعمل فى مصر الآن).

معلوماتى أيضا أن مصر الرسمية كان لها دورها فى إقامة علاقة إيجابية بين تركيا والجامعة العربية، أسفرت عن تأسيس المنتدى العربى التركى فى سنة 2007، وفى ظلها أصبح السفير التركى لدى القاهرة سفيرا منتدبا لدى الجامعة العربية، فى الوقت ذاته فثمة تنسيق بين البلدين فى بعض الملفات المهمة، التى من بينها الملف الفلسطينى، وقد سمعت من وزير الخارجية التركى أكثر من مرة قوله إن أنقرة لا تريد أن تتجاوز الدور المصرى فى الموضوع الفلسطينى، وأن التشاور بين البلدين مستمر بخصوصه.

الخلاصة أن محاولات الوقيعة والتهوين من شأن الدور التركى يقوم بها أناس مشكوك فى معارفهم ومقاصدهم ــ ومن أغرب ما صدر عنهم ادعاء أحدهم يوم الأربعاء الماضى بأن تركيا أصبحت فى «أزمة» بسبب الغارة الإسرائيلية على السفينة «مرمرة». وأنها منحت إسرائيل نصرا بلا ثمن ــ هكذا مرة واحدة!

الغريب أن هذا الكلام نشر فى مصر، فى نفس اليوم الذى تحدثت فيه الصحف الإسرائيلية عن العاصفة التى ضربت الساحة السياسية جراء فشل الغارة الإسرائىلية التى تحولت إلى فضيحة أدت إلى تعرية إسرائيل أمام العالم أجمع. فقد نشرت صحيفة «معاريف» عنوانا يقول: فشل عملية الجيش الإسرائيلى أسفر عن ورطة دولية. وطالبت صحيفة «هاآرتس» فى افتتاحيتها بتشكيل لجنة تحقيق فى ذلك الفشل، وطالب أحد كتاب «يديعوت أحرونوت» ــ سيفر بلوتسكر ــ وزير الدفاع بالاستقالة، وكان عنوان مقالته: ليستقل باراك.

وهى ذات الدعوة التى رددتها وزيرة التعليم السابقة يولى تمير، وطالبت فيها باراك بالاستقالة من رئاسة حزب العمل، وكانت تلك بعض أصداء «النصر» المزعوم الذى أهدته تركيا لإسرائيل! ــ
إن انفعال بعض المزايدين يجعلهم فى بعض الأحيان يظهرون كما لو كانوا إسرائيليين أكثر من الإسرائيليين.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2024 ShoroukNews. All rights reserved