مُفارقات دينامية العَولمة وما بعد الحداثة

العالم يفكر
العالم يفكر

آخر تحديث: الإثنين 6 يونيو 2022 - 8:30 م بتوقيت القاهرة

نشرت مؤسسة الفكر العربى مقالا للكاتب حسن الزواوى بتاريخ 6 يونيو تناول فيه الجانب السلبى للعولمة والحداثة على مجتمعات دول العالم الثالث... نعرض منه ما يلى.
تنبثق التساؤلات حول مَسار تطوُر المُجتمعات الإنسانية من رَحَمِ التراكُمات التاريخية التى شهدتها هذه الأخيرة، وبالأخص بعدما أَسهمت الثورةُ الصناعية خلال القرن الثامن عشر فى تغيير شكل هذه المُجتمعات عبر بناءِ أُسسٍ جديدة للإنتاج الاقتصادى المؤطَرة بمنطقٍ رأسمالي، ناهيك عن إحداث مجموعة من التغييرات على المستوى الاجتماعى كان من أبرزها الانتقال إلى مُجتمعٍ صناعى يعتمد فى وظائفه الاجتماعية على مبدأ العقلانية.
شكل رصْدُ هذه التحولات مُنطلقا لمجموعةٍ من الدراسات التى قامت بتحليل الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية، وذلك من أجل فهْمِ عمْق التحولات التى تُرافِق مسلسل تحديث المُجتمعات وسُبل تكيُفها مع إكراهات التغيير التى مسَت بنيات وآليات وظائفها الاجتماعية. لذا، اهتمت كتابات كارل ماركس بالمسألة الاجتماعية، ولاسيما أوضاع الطبقات العاملة وطُرق استغلال مجهودها فى العمل من طَرَفِ أصحاب الرأسمال، وكذلك أبحاث دوركايم حول خصائص المُجتمع الصناعى القائم على إلزامية تقسيم العمل والتضامُن العضوى.
لكن الاهتمام بنتائج الحداثة الرأسمالية سيُشكِل مُنطلقا تحليليا وأساسا لمُساءلة مصير الهوية الثقافية والاجتماعية للمُجتمعات أمام زحْفِ هذه الحداثة وتوغُل الرأسمال كمحدِدٍ للإنتاج الاقتصادى، وبالأخص بعد سقوط جدار برلين وفشل النموذج الشيوعى فى الحد من النفوذ العالَمى للنظام الرأسمالى، حيث جسد تفكُك الاتحاد السوفيتى فى تسعينيات القرن الماضى فرصة تاريخية لظهور نظام عالمى جديد يتميز بأحاديةٍ قطبية بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية.
• • •
منذ نهاية الثنائية القطبية دَخَلَ العالَمُ فى نسقٍ سياسى جديد يتميز باختفاء السرديات الإيديولوجية الكبرى وتحطيم القوالب والنماذج القديمة لصالح نموذج نيوليبرالى يؤسِس لحداثةٍ سائلة وفقا لزيجمونت باومان تتسارع فيها وتيرة تغيير القيَم المؤسِسة للنظام الاجتماعى، حيث يرتكز فيها النظام الليبرالى، بحسب تحليل كارلو بوردونى، على حالةٍ مَرِنة ومُتفاقمة من عدم المُساواة القائمة على الرفاهية الاقتصادية كوسيلة للتمييز بين الطبقات العليا والدنيا. كما أصبح النظام الاقتصادى قائما على الوفرة وعلى عرض الكثير من الخيارات الاستهلاكية للفرد، وهو ما أفضى إلى حالةٍ من التفاقُم وانعدام المعنى نتيجة اهتمام اقتصاد السوق بالربح السريع وبتسليع الأفراد من خلال التحكُم فى أذواقهم وتوجيه رغباتهم. بل الأخطر من ذلك هو أن كينونة الفرد أصبحت تتحدَد عبر ما يمتلكه وهذا ما قد أشارت إليه تحليلات إيريك فروم المُنتقدة لوظائف التسويق التى يعتمدها السوق الرأسمالية.
إن استحضار تطوُر الاقتصاد الليبرالى يرجع إلى أهميته الفكرية فى قراءة مَسارات الحداثة التى أصبحت اليوم ترادفها مُصطلحات مثل العَولمة أو ما بعد الحداثة، كما يعكس دلالتها المعرفية حجْمُ الشك والحَذَر الذى يُصاحِب التساؤلات المُرتبطة بالحداثة كمسلسلٍ وصيرورة تاريخية، والنمط الرأسمالى كاقتصادٍ عالَمى. فدينامية ما بعد الحداثة ومعها السوق الرأسمالية أَخذت أبعادا وأشكالا تتناقض مع المَكاسب التاريخية التى حصلت عليها المُجتمعات الغربية، بخاصة بعد تمكُنها من إرساء دعائم نموذج ديمقراطى تمثيلى قوامه الفكرى نظرية العقْد الاجتماعى، والتى أسَست لقطيعةٍ تاريخية مع حُكم الملكيات المُطلقة؛ إذ لم يُساعد انتشار مُنتجات السوق الاستهلاكية وتحكُم الرأسمال الاقتصادى فى مفاصل الحياة السياسية إلا فى سلْبِ إرادة الأفراد وانغلاقهم النرجسى على ذواتهم، فضلا عن بروز حكومات بمثابة وكلاء تجاريين للشركات التجارية الكبرى. فأهم ما خلقته السلطة المتضخمة للسوق هو إفراغ مفهوم المُواطَنة من معناه القائم على الالتزام والمُشارَكة السياسية، مع خلْق مُواطنٍ استهلاكى ينفر من كل أشكال الالتزام الصارمة وقواعد الانضباط الاجتماعى التى تحد من هامش حريته الذاتية.

أزمة الحداثة والديمقراطية الليبرالية
انطلاقا من هذا المنظور النقدى، تحمل العولمة وما بعد الحداثة فى طياتها معانى مُشترَكة تحيل فى مجملها على أزمة الحداثة والديمقراطية الليبرالية التى تتجلى اليوم فى حجْم النفوذ الانتخابى والسياسى لأحزاب اليمين المتشدِد فى أوروبا، وأيضا فى اتساع مستوى الاحتجاجات المُطالِبة بالمُساواة والحد من الفوارق الطبقية التى تسبَبت فى ازدياد أعداد الفقراء فى الديمقراطيات الغربية. ولعل احتجاجات أصحاب السترات الصفراء فى فرنسا يكون خير دليل على ذلك.
إن الرغبة الجامحة فى تسليع المُجتمعات، عبر جعْلها زبونا استهلاكيا، واستنزاف كل الموارد الطبيعية لإشباع حاجات السوق فاقمت من أزمة الحداثة التى تعكسها اليوم طبيعة الكتابات المهتمة بحالة التشظى أو الانشطار التى يعيشها إنسانُ ما بعد الحداثة بسبب انسداد الأُفق وغياب البديل أمام سيطرة السوق والنزعات الاستهلاكية. فهذه الأخيرة تُحرِك النزوات الحيوانية لدى الفرد مثلما تزيد من سلطويته كذاتٍ متعطشة للسيطرة والتحكُم.
تتميز الحقبة المؤسِسة للعَولمة ومعها ما بعد الحداثة بتدفُق التحولات الاجتماعية والثقافية بشكلٍ مكثَف يعجز الأفراد معه عن مواكبته، بل أكثر من ذلك يصيبهم بوسواسٍ قهرى وارتباك. فأول ضحية للعولمة وما بعد الحداثة هو الصحة النفسية للفرد الذى أصبح نرجسيا يتمسك بحريته الذاتية وبخصوصيته على حساب الاستمرار فى العيش داخل إطارٍ اجتماعى صلب. وأمام راديكالية النزعة الاستهلاكية وتجذُر الفردانية بشكلها السلبى، أضحت طُرق التفكير فى مستقبل الآليات التنظيمية للعلاقات الاجتماعية ترتبط بالكيفية التى يُمكن معها استيعاب الدينامية النرجسية للأفراد واستثمارها وفق تصوُرٍ يُعيد لهم قدرتهم على الدفاع عن خصوصيتهم، ولكنْ مع الحفاظ على تماسُك وحدة المُجتمع كمنظومةٍ أخلاقية. ولعل هذا الأمر يُعَد فى حد ذاته تحديا تتطلَب مُواجهته إعادة تشكُل وعى الأفراد بضرورة التحرُر من سلطة السوق التى نمّتْ فيهم وَهْمَ الحرية.
فلقد بات التخلُص من سلطة النمط الاستهلاكى النيوليبرالى هاجسا يلقى بظلاله على المُحاولات الرامية إلى مُراجَعة مآلات التقدُم المادى الذى تعرفه المجتمعات اليوم مقابل تراجُعٍ ملحوظٍ للقيَم الاجتماعية الإيجابية. وعلى الرغم مما قدَمه التطوُرُ التكنولوجى من فوائد تهم بالأساس تقريب المسافات بين القارات وثقافات الشعوب، إلا أن العالَم لم يستطع التغلُب على الأوبئة والحروب التى اتسعت رقعتها الجغرافية، ناهيك عن المخاطر البيئية التى باتت تهدِد مستقبل الكرة الأرضية. وهذا ما جَعَلَ المفكر الألمانى أولريش بيك يصف مُجتمعات اليوم بكونها مُجتمعات المخاطر الكبرى (أولريش بيك، 1986) الناتجة عن التحولات الاجتماعية والنتائج العكسية للتقدُم التكنولوجى، التى أصبح يُجسِدها الاعتقاد المُطلق بقدرة الوسائل التكنولوجية على تغيير شكل العالَم ومعه حتى الإنسان.
لذا، فإن الإفراط فى الاعتقاد بأن التقدُم المادى والتكنولوجى قادرٌ على خلقِ سعادة المُجتمعات الإنسانية لا يُمكن أن يستمر طويلا ما دامت هذه الأخيرة لم تتمكن من ربْحِ عدة رهانات تاريخية، أهمها تحقيق مطلب العدالة الاجتماعية، والحد من المآسى الإنسانية التى ما زالت تنخر كيان مُجتمعات العالَم الثالث تحديدا، باعتبارها مجالا خصبا للحروب والمجاعات فى زمن الوفرة المادية والعَولمة.

النص الأصلى

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved