أستاذ الجيل و«رسالة الجامعة»

إيهاب الملاح
إيهاب الملاح

آخر تحديث: السبت 6 يونيو 2026 - 7:40 م بتوقيت القاهرة

(1)
«وما دواء الأمة المريضة إلا التربية والتعليم»..
(أحمد لطفى السيد فى كتابه «المنتخبات»)


مع كل واقعةٍ نقرأ عنها أو تجابهنا فى «الجامعة»، وعنها، وتتصل اتصالا وثيقا برسالتها النهضوية، وأدوارها التنموية والمجتمعية؛ فإنها تشير كذلك وبكل أسف إلى اتساع الهوة السحيقة التى تفصل بين جيل الرواد والآباء من الرعيل الأول من مديرى الجامعات وعمداء الكليات، وبين الآن.. على مستوى طرائق التعبير ولباقة التعامل والقدرة على إدارة كامل مستويات العملية التعليمية والتثقيفية دون تعارض مع الآفاق العالية والسمحة لبيئة الجامعة الحاضنة للمواهب، والمكتشفة لها فى آن.


وما الضجة المثارة الأسبوع الماضى حول أزمة إلغاء عرض مسرحى لطلاب إحدى كليات الحقوق، بإحدى الجامعات الكبيرة والعريقة (أو منعه أو حتى التضييق على صناعه بأى ذريعة كانت وتحت أى مبرر أو مسمى)، إلا مظهر من مظاهر الأزمة التى نحياها ونعانى منها؛ وأنا أفترض أن كثيرا من الأزمات التى تنفجر فى وجوهنا بين آن وآخر وتشغل حيزا كبيرا مما يسمى بفضاء «التريند»؛ كان من الممكن تجنبها من جذورها إذا أحسن هذا المسئول - أو ذاك - التعامل معها بقليل من الحصافة واللياقة وحسن التقدير، والقدرة على امتصاص التفاصيل المزعجة هنا أو هناك!


من المفترض أن هذه أفكار بديهية لا مجال للتأكيد عليها؛ لأنها غرست قبل مائة عام أو يزيد مع تأسيس الجامعة المصرية الأم، وانتقالها بسلاسة ويسر إلى ما تفرع عنها من جامعات أخرى، وقد تجلت فى ممارسات آباء الجامعة، وروادها الأوَل كأبهى وأنضج ما يكون، كما تمثلت أيضًا فى الحكمة البالغة والرصانة فى مستوى اتخاذ القرارات فيما يخص النشاط الجامعى، ورعاية المواهب ودعم الموهوبين، دون إثارة للمشكلات أو افتعال أزمات تضاف إلى أزماتنا التى لا تنتهى!


(2)
وأعود إلى الوراء مضطرا لأتذكر الوعى المبهر والثقافة الرفيعة والتصورات الناضجة المتماسكة لدور «الجامعة» كمؤسسة تحديثية تقود قاطرة التقدم والنهضة، انطلاقًا من الوعى بقيمتها التأسيسية فى صناعة نخب المجتمع وصياغة وعى أبنائه، والمهام المنوطة بها، كما جسدها أحمد لطفى السيد، أول مدير مصرى للجامعة؛ فى رسالته الشهيرة عن الجامعة؛ يقول:


«… فالأساتذة ليسوا موجودين بالجامعة لتلقين المعرفة للطلاب، ولكن فقط لإرشادهم. فلقد أتى الطالب ليتعلم بنفسه، ويقوم بتحضير الموضوع قبل أن يتعرض له الأستاذ. لهذا السبب لا يوجد أى كتاب مقرر لأن هدف التعليم الجامعى هو تربية العقل، وليس ملء الحافظة. ومن يعتمد فقط على الذاكرة أو يقبل بآراء أستاذه دون تمحيصٍ، وتفكيرٍ ذاتى، ليس طالبًا حقيقيّا».


(أحمد لطفى السيد، رسالة الجامعة، التى ألقاها فى كلية دار العلوم سنة 1940)


وأول دور بارز قام به أستاذ الجيل، انطلاقا من الوعى بهذه الفكرة، هو تأصيل فكرة الجامعة فى الأذهان، وإشاعة معنى استقلالها فى المجتمع الذى عمل على الارتقاء به، وتأكيده، وذلك منذ أن انضم إلى مجلس إدارة الجامعة الأهلية (1908)، وظل يعمل لها إلى أن أصبح وكيل الجامعة، ثم مديرها الذى عرف بها وعرفت به (1925).


وكانت الجامعة التى «لا دين لها إلا العلم»، فيما أعلن الزعيم الراحل سعد زغلول، تعنى للطفى السيد، رجل القانون، ما أشارت إليه المادة الثانية من قانونها الذى صاغه، أعنى المادة التى تنص على أن المهمة الأولى للجامعة هى «تشجيع البحوث العلمية»، و«العمل لرقى الآداب والعلوم فى البلاد».


(3)
ويشرح الأستاذ لطفى السيد هذا المعنى، فى سيرته الذاتية «قصة حياتى»، بتأكيده أن رسالة الجامعة تتمثل فى القيام بالبحوث المختلفة فى العلوم والآداب التى تنتج عندنا، كما أنتجت عند غيرنا، الزيادة فى النظريات العلمية التى هى فى تطور مستمر، والتى تؤدى إلى اكتشافاتٍ جديدة تضاف إلى ما اكتشفته الجامعات الأخرى مما له صبغة علمية بحتة، ومما له تطبيقات عملية تنفع الناس فى تسخير قوى الطبيعة ومواردها.


وليس خافيا أن الجامعة، حين تقوم بهذه «الرسالة»، تحمل عن الأمة واجبها من المشاركة العامة فى رقى العلوم والمعارف فى العالم. ومن رسالة الجامعة، فيما يضيف لطفى السيد، تربية شبيبة الأجيال المتعاقبة لتهيئ للبلاد قادتها فى جميع مرافقها، ذلك لأن قوة الأمة واحتمالها صنوف المزاحمة على الحياة ليست آخر الأمر إلا نتيجة تربيتها الجامعية.


وتلك رسالة لا تنفصل عن مهمة نشر الثقافة فى جميع الطبقات، سواء بإباحة الانتساب إلى معاهد الجامعة المختلفة من غير قيد ولا شرط، أو إلقاء المحاضرات العامة فى العلوم والآداب والفنون، أو بنشر المؤلفات فى كل فرع من الفروع، وتشجيع الطلاب على اكتشاف مواهبهم وتنمية قدراتهم وتغذية نشاطهم الفنى والإبداعى والابتكارى والتمثيلى، إلخ.


والهدف النهائى من ذلك كله هو أن تساعد الجامعة التطور الاجتماعى الثقافى للأمة بكل ما فى وسعها من ضروب التجديد فى الأفكار والعلوم والآداب والفنون كافة، على نحو يؤدى إلى تجديد نظرة الناس إلى الحياة، وغرس معانى التقدم فى نفوسهم، وحثهم على التطلع إلى حياة إنسانية راقية ومتطورة..


(وللحديث بقية)

 

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved