الكتابة هويّة بديلة

محمود عبد الشكور
محمود عبد الشكور

آخر تحديث: السبت 6 يونيو 2026 - 7:40 م بتوقيت القاهرة

ربما تكون هذه الرواية القصيرة محكمة البناء دليلًا جديدًا على قدرة قالب «النوفيلا»، ليس فقط على الإمساك بحدثٍ واحد كبير، ولكن أيضًا باستغلال هذا الحدث لقراءة بالعمق لتاريخ طويل قديم؛ أى إن «النوفيلا» تجمع بين الأثر القوى للقصة القصيرة ذات الحدث المكثف، والمستويات الكثيرة للسرد الذى تمنحه لنا الروايات الطويلة.


الرواية الصادرة عن منشورات المتوسط بعنوان «مزوّر الذكريات»، كتبها مؤلفها الروائى العراقى عباس خضر باللغة الألمانية، وترجمها المتميز دومًا سمير جريس إلى اللغة العربية. خضر يعيش فى ألمانيا منذ العام 2000، اعتقل فى وطنه وهو فى سن التاسعة عشرة، فرحل عنه، ودرس الآداب والفلسفة فى ميونيخ وبوتسدام، وصدرت له هناك عدة روايات؛ مثل «الهندى المزيّف»، و«برتقالات الرئيس»، و«رسائل من جمهورية الباذنجان»، و«الصفعة»، و«قصر البؤساء»، وصدرت روايته «مزوّر الذكريات» فى 2022.
نغادر الوطن، ولكنه لا يتركنا، حتى لو تغيّرت اللغة التى نكتب بها، وحتى لو كانت الذكريات ضبابية، ومليئة بالفجوات التى يكملها الخيال، ولكنها الهوية الوحيدة التى نملكها.


هذه هى الفكرة المحورية التى كتبها خضر محققًا نجاحًا فنيا على أكثر مستوى: الأول هو تحويل حدث واحد فى حاضر بطل الرواية «سعيد الوحيد»، وهو كاتب عراقى لاجئ حصل على الجنسية الألمانية، إلى بوابة واسعة لاستدعاء ماضى الشخصية كله، وماضى الأسرة أيضًا، والذى يلخص فى الوقت نفسه مأساة العراق بين الأمس واليوم، من زمن الديكتاتور وحرب إيران، وأيام المحتل الأمريكى، ثم زمن الطائفية، إلى مشارف عصر سيطرة داعش على الموصل.


فى الحاضر رحلة سعيد الوحيد، تاركًا زوجته الألمانية وابنه الصغير، من أجل اللحاق بوداع أمه المحتضرة، وفى الماضى حكاية سعيد من اللجوء إلى الجنسية، ومن الدراسة الثانوية والجامعية إلى الكتابة، وبداية الحصول على بعض الاعتراف الأدبى، ممتزجة بحكاية الهروب من بغداد، وصولا إلى ألمانيا.


لا إسهاب ولا استطراد، وإنما بالضبط ما يفرضه التداعى، وما يتصل بأسرتين: عائلة بغداد المكونة من أب أعدم لأسبابٍ سياسية، وأخ مدرّس يدعى حكيم، يحاول حماية نفسه فى بلد لم تعد آمنة بسبب صراعات الإرهاب والطائفية، وأخت اسمها نبيلة، امتلكت محلا للتجميل، فنسفها الإرهابيون، أما الأم المحتضرة فلم تعرف يومًا السعادة، ولكنها ظلت شاهدة على المأساة بتنويعات مختلفة.


المستوى الثانى هو لعبة السرد باستخدام تكنيك «الراوى العليم» الذى يحكى بالنيابة عن سعيد، ولكنه أيضًا الراوى المتشكك، لأن سعيد يعانى من داء النسيان، وبالتالى فهو فى كل مرة يتشكك فى أن ما يتم سرده قد حدث فعلًا بالضبط، أم أنه متخيّل، وطوال الحكاية يقطع السارد الاندماج بأسئلة تشككنا أصلًا فى مدى دقة ما حدث لسعيد سواء فى العراق أو فى ألمانيا.


جعل ذلك الحكاية مزيجا بديعا بين واقع سعيد وخياله، أو بين سعيد الإنسان، وسعيد الكاتب والمؤلف، فما ينساه الشخص، يكمله الفنان بخياله، أو بالأحرى يقوم بتزويره، ليس بمنطق الكذب بالمعنى الأخلاقى، بل بمنطق الكذب الفنى، لمحاولة إكمال ما سحقه النسيان، أو لتحويل المأساة إلى فن باق، يحفظ الهوية، ويحفظ الحكايات والشخصيات والأماكن.


صرنا أمام واقع مواز، أساسه ما حدث فعلًا، وما أفلت من المحو، وصرنا أمام حيلة ذكية للغاية، أعادت لسعيد، وللسارد العليم وراء سعيد، ولعباس خضر نفسه السارد الأكثر علمًا وراء الاثنين، الهوية المفقودة مضاعفة.


ينقلنا ذلك إلى المستوى الفنى الثالث للعمل، فالأزمة هنا مزدوجة: ذاكرة تضيع، وهوية مفقودة، سعيد يعانى من الغربة فى بلده، وفى ألمانيا، وينجح نسبيا فى تأسيس عائلة، والحصول على الجنسية الألمانية، بعد أن كان مهددًا بالترحيل، ولكن هويته الأصلية العراقية ظلت حاضرة دائمة، وبعد أحداث 11 سبتمبر اضطر إلى إخفاء هذه الهوية التى يفضحها الاسم، فأطلق على نفسه «ساد وادى»؛ أى «الوادى الحزين».


كتابة رواية «مزوّر الذكريات» حلّت هذه الأزمة بضربة واحدة: الذاكرة الهاربة يستعيدها الفن بمزيج الواقع والخيال، والهوية الوطنية الأصلية تستعاد بشرًا وأماكن مهما كانت مؤلمة، والرواية كلها تصبح وطنًا بديلًا ينتمى إليه الكاتب، فيحقق له اعترافًا فى ألمانيا، وحياة قديمة مستعادة ومنتزعة من المآسى.


نصبح بذلك أمام تحية للفن للوطن معًا، دون أى تنميط أو كليشيهات، فإذا كان الوطن قد تحوّل إلى جحيم وفوضى، فإن المهجر ليس فردوسًا: العنصرية، والتفرقة بين الأبيض والآخرين حاضرة طوال الوقت، والكراهية وضيق الأفق حالة إنسانية شائعة تفسد حياة البشر فى كل زمان ومكان، والحلم بالسلام الداخلى عن طريق الابتعاد لا يتحقق على الإطلاق، والصراع مستمر مع الشر والتعصب والجهل، والفرد فى مواجهة السلطة، بتنويعاتٍ مختلفة؛ لأنه إذا كانت الديكتاتورية تقتل وتعذب وتطرد، فإن عيون البيروقراطية الساهرة على حماية الدستور الألمانى، وقوانين مكافحة الارهاب بالاشتباه والاعتقال لمدة 48 ساعة، تزعج سلام «سعيد الوحيد»، واسمه فى حد ذاته يذكرنا ويذكره بالتناقضات التى ستظل تحاصره فى الوطن أو فى المهجر.


تحلّ أدوات الفن، ولو مؤقتًا، مشكلات الهوية والاغتراب والذاكرة المثقوبة، وتحقق بصنعة ماكرة تزاوجًا مؤقتًا، ولو على الورق، بين جواز السفر العراقى القديم، وجواز السفر الألمانى الجديد، وتجعل العمر كله جدارية واحدة ماضيًا وحاضرًا، وتعيد تشكيل الزمان والأماكن، بل وتحملنا على سطور 118 صفحة فقط، بين آسيا وأفريقيا وأوروبا، وبين ميونيخ والدوحة وبغداد وعمّان والقاهرة وليبيا واليونان.


هذا ما يستطيعه الفن، وما تصنعه الكتابة، وهذا ما يجعل من التزوير إبداعًا، دون أن تفرض الحكاية حلولًا من أى نوع، إذ يكفى ما قدمته من مواجهة عميقة للذات وللآخر، وللتاريخ أيضًا، ويكفى قيام الفرد بابتكار هوية مركّبة، تحقق له بعض التوازن، مع استمرار الأسئلة، من جيل سعيد، إلى جيل ابنه المولود فى ألمانيا، والمتشوق لزيارة بغداد.


لم يعرف سعيد، الذى كره رواية «الحمامة» لزوسكيند، أنه يشبه بطلها فى مواجهة مخاوفه وماضيه، مهما كانت النتائج.

 

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved