متلازمة التعب المزمن
داليا شمس
آخر تحديث:
السبت 6 يونيو 2026 - 7:32 م
بتوقيت القاهرة
أمام وفاة الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسى، إدجار موران، فى 30 مايو الماضى، عن عمر يناهز 104 سنوات، وهو من أبرز منظرى الفكر المركب وكان دائم التفاعل مع الأحداث الجارية بالنقد والتحليل إلى آخر أيامه، لا نملك سوى الانبهار بروح المقاومة الوثابة التى لم تنطفئ بداخله قط وظلت تدفعه إلى رفض الظلم والاحتلال دون تعب أو كلل. تذكرت حديثًا أجرته معه إحدى المجلات عند بلوغه سن الثامنة والتسعين وإصداره حينها كتاب سيرة بعنوان «الذكريات تأتى للقائى» الذى يعد شهادة شخصية حية على قرن من الزمان عاشه المفكر، سأله المحاور وقتها: كيف لا يعرف التعب ويتسلح دوما بالقوة والدأب؟ أجابه مازحًا بأنه يتعب قليلًا ويشعر بالإجهاد وانخفاض الطاقة ما بين الرابعة عصرًا والثامنة مساءً، ولكن حين تتدافع الأفكار إلى رأسه يدب فيه النشاط ويحفزه النقاش، فالتفاعل وتبادل المعارف والآراء والمهارات التحليلية هم سر حيويته ومحركه الأساسى للابتكار. أضاف فى الحديث نفسه أنه ولد وبداخله صراع مستمر بين قوى الحياة والموت، فقد أتى إلى الدنيا مختنقًا لأن الحبل السرى كان ملتفا حول عنقه وقد صفعه الطبيب عدة مرات-على حد قوله- ووفقا لما وصفه والده حتى تم إنقاذه وعادت إليه الروح. أما الصفعة الكبرى التى تلقاها لاحقا وهو فى سن العاشرة كانت وفاة أمه بسبب ضعف فى القلب، وقال موران إن هذا الاختفاء المفاجىء كان بمثابة "قنبلة هيروشيما" بالنسبة للولد الصغير الذى ظل يحمله بداخله. وحين صار شابا علم نفسه بنفسه وانخرط فى النضال المناهض للفاشية إبان الحرب الأهلية الإسبانية، ثم شارك فى المقاومة الفرنسية ضد الاحتلال النازى خلال الحرب العالمية الثانية، وارتقى تدريجيا أعلى المناصب العلمية والبحثية دون الحصول على درجة الدكتوراه، فهو لم يسع لذلك ولم يشعر أنه بحاجة للألقاب، فله مكانة خاصة بين كبار المثقفين والمفكرين.
***
نحن بحاجة لمثل هذه النوعية من الشخصيات التى لا تتكرر كثيرا فى زمن أعيانا فيه التعب، كل ما حولنا يجعلنا نشعر بالإرهاق والإنهاك الدائمين، فالتعب هو داء القرن الحادى والعشرين، تتعدد المسميات والتصنيفات ولكن يبقى متربعا على رأس قائمة أمراض وآفات العصر. لازم الإحساس بالتعب الإنسانية منذ بدء الخليقة، لكن عصور الاضمحلال و"مرحلة النهايات" التى نعيشها تتسم عادة بنوعية من التعب المضنى والمكثف، لأننا بصدد فترة مخاض: كل ما هو قديم لم يفنَ بعد، والجديد لم تتضح معالمه. ويزيد من حجم الاستنزاف الذى نعانيه حالة الاستنفار والمنافسة الدائمة فى مجتمع قائم عل فكرة الإنجاز وتقييم مستوى الأداء، قد تفقد فيه كل ما لديك بين عشية وضحاها، إذ يخيم الشك وعدم اليقين على كل شيء حولنا. نرى حروبًا تندلع دون سبب مقنع ودول تتفكك وبشر يقتلون بدم بارد وأوبئة تجتاح العالم ويترتب عليها إجراءات احترازية مجحفة أحيانًا، ونتابع كل ذلك فى زمن الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعى على الهواء مباشرة، دون توقف، ليلًا ونهارًا. وبالتالى يعانى معظمنا من أشكال مختلفة من التعب: احتراق وظيفى، إرهاق عقلى وذهنى، وإنهاك عاطفى. تطاردنا آخر الأنباء على الهواتف والألواح الذكية، تدفعنا هذه الأخيرة لأن نقوم بمهام متعددة فى وقت واحد وتحرمنا من متعة السكينة والنوم الهادىء. وتحاول أنت فى خضم كل هذه الأمور أن تكون ذاتك، أن تتخذ قرارات وتتحمل تبعاتها وأنت متروك لحالك، وإذا كنت تنتمى للشريحة العمرية من 35 إلى 55 سنة فالمطلوب منك تحقيق توزان صعب بين مهام عدة، فى العمل والحياة، فأنت ما يطلق عليك «جيل الساندويتش» أى البالغين العاملين الذين يتحملون مسئولية رعاية أطفالهم ووالديهم المسنين. ويضاعف من حجم الإنهاك أن تكون ممن يسعون نحو العدالة والكمال، فهذه سمات تزيد الطين بِلة!
***
تصرخ أجسامنا لكى تذكرنا أننا بشر ولطاقتنا حدود مهما حاولنا مواكبة قوانين المجتمع الاستهلاكى والليبرالية الجديدة منذ ثمانينيات القرن العشرين. فى الثلاثينيات تطورت الآلات ووسائل المواصلات نوعا ما وزاد الاعتماد عليها فى الحياة اليومية، وتم فرض نظام الإجازات المدفوعة فى العمل، لكن كل ذلك لم يخفف من وطأة الضغوطات بل غير من طبيعتها. بعد الحرب العالمية الأولى أسست بريطانيا «مجلس أبحاث التعب» أو «مجلس بحوث الإرهاق الصناعى» بهدف دراسة تأثير ظروف العمل على كفاءة المستخدمين والوقاية من الإجهاد المهنى، وقد عُرف لاحقًا باسم «مجلس بحوث الصحة الطبية المهنية». وبعد سنوات وسنوات ظهر مصطلح «الاحتراق الداخلى» لتوصيف حالة الإنهاك الجسدى والعقلى بسبب التوتر المستمر والتى ينتج عنها فقدان الشغف والرغبة فى العزلة وتغييرات فى أنماط النوم والأكل. وحين حضر زمن الجائحة وخضعنا لتدابير الكوفيد ازدادت الشكوى من اضطرابات معقدة من بينها «متلازمة التعب المزمن»، وهو إرهاق لا يزول بالراحة ومن الصعب تفسيره طبيًا. تقريبًا لم ينجُ منا أحد فى هذا الزمن الصعب سوى من امتلكوا قوة وصلابة إدجار موران وقدرته على التأقلم مع المتغيرات وفلسفة الأمور، وهى قدرة استثنائية تصنع مسيرات غير مألوفة وملهمة.