التنمر الرقمى
صحافة عربية
آخر تحديث:
السبت 6 يونيو 2026 - 7:40 م
بتوقيت القاهرة
لم يعد العنف فى العصر الحديث بكل صوره مقتصرًا على ما يُمارس فى الشارع أو داخل المدارس وأماكن العمل، بل امتد إلى فضاء جديد لا تحكمه حدود واضحة، والمقصود بذلك هو الفضاء الرقمى، ومع الانتشار الواسع لمنصات التواصل الاجتماعى ظهر شكل مختلف من الإساءة يُعرف بالتنمر الرقمى، وهو سلوك عدوانى يتخذ من الشاشات وسيلة لمضايقة الآخرين، لكنه يترك آثارًا نفسية سلبية قد تفوق فى حدتها آثار التنمر التقليدى.
التنمر الرقمى لا يقتصر على التعليقات الجارحة أو السخرية المباشرة، بل يشمل طيفًا واسعًا من الممارسات، مثل نشر الشائعات والتشهير بالبعض وانتهاك الخصوصية وقد يصل إلى الابتزاز، بل وحتى إنشاء حملات منظّمة للإساءة إلى شخص معيّن، وما يزيد من خطورة هذا النوع من التنمر أنه لا يتوقف عند لحظة أو مكان محدد، بل يلاحق الضحية فى كل وقت، حيث تتحوّل الهواتف الذكية إلى مصدر دائم للضغط النفسى بدلًا من أن تكون وسيلة للتواصل والترفيه.
أحد أبرز العوامل التى تغذى التنمر الرقمى هو الإحساس الزائف بالحصانة، فالمتنمر غالبًا ما يختبئ خلف اسم مستعار أو حساب وهمى، ما يمنحه شعورًا بالأمان ويدفعه إلى قول ما قد لا يجرؤ على قوله فى الواقع، هذا «القناع الرقمي» يُضعف الإحساس بالمسؤولية، ويجعل البعض يتعامل مع الآخرين كأهداف وليسوا بشرًا لهم مشاعر وعليه أن يلتزم بحدود معينة عند تعامله معهم، وفى المقابل قد يجد الضحية نفسه مكشوفًا أمام جمهور واسع، حيث يمكن لتعليق مسىء واحد أن يتحوّل إلى موجة من التفاعل السلبى يصعب السيطرة عليها.
الآثار النفسية للتنمر الرقمى عميقة ومتراكمة، خاصة لدى فئة الشباب، فالتعرّض المستمر للإساءة قد يؤدى إلى تراجع الثقة بالنفس، والشعور بالعزلة والقلق والاكتئاب، كما أن بعض الضحايا قد يلجأون إلى الانسحاب الكامل من الحياة الاجتماعية، سواء الرقمية أو الواقعية خوفًا من الإيذاء، ما يعكس حجم المأساة التى قد تبدأ بكلمات عابرة على شاشة.
ولا يمكن فصل ظاهرة التنمر الرقمى عن السياق الثقافى والاجتماعى الأوسع، فهذا السلوك يعكس فى جانب منه ضعفًا فى منظومة القيم الأخلاقية، وتراجع ثقافة الاختلاف وقبول الآخر، كما أن سعى البعض إلى تحقيق الشهرة السريعة أو جذب الانتباه قد يدفعهم إلى استخدام أساليب صادمة أو مسيئة، مستفيدين من طبيعة بعض المنصات التى تكافئ المحتوى المثير للجدل بمزيد من الانتشار.
من جهة أخرى تحاول الشركات المالكة لهذه المنصات اتخاذ خطوات للحد من هذه الظاهرة، من خلال تطوير أدوات للإبلاغ عن الإساءة، واستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعى لرصد المحتوى الضار، وفرض سياسات أكثر صرامة على المستخدمين المخالفين، إلا أن هذه الجهود -رغم أهميتها- لا تزال تواجه تحديات كبيرة، أبرزها الحجم الهائل للمحتوى الرقمى نفسه وسرعة انتشاره.
غير أنه لا يمكن أن تقتصر الحلول الفعّالة للتنمر الرقمى على الجانب التقنى أو القانونى فقط، بل يجب أن تشمل أبعادًا تربوية وثقافية، فتعزيز الوعى الرقمى لدى الأفراد خاصة فى سن مبكرة، يُعد خطوة أساسية فى بناء بيئة إلكترونية أكثر أمانًا، كما أن تعليم مهارات التفكير النقدى واحترام الآخر وإدراك أثر الكلمات، يمكن أن يسهم فى الحد من السلوكيات السلبية. كما أن دور الأسرة والمدرسة لا يقل أهمية من خلال متابعتهما لسلوك الأبناء على الإنترنت، وفتح قنوات حوار معهم، وتوعيتهم بمخاطر الاستخدام غير المسؤول للتكنولوجيا.
فى النهاية قد يبدو العالم الرقمى فضاءً افتراضيًا، لكن ما يحدث فيه حقيقى، والكلمات التى تُكتب على الشاشة قد تترك جروحًا لا تُرى، لكنها تُحس وتؤثر بعمق، وبينما يمنحنا هذا العالم أدوات هائلة للتواصل والتعبير، فإنه يضعنا أيضًا أمام مسئولية أخلاقية كبيرة، لذا علينا أن ندرك أن خلف كل حساب إلكترونى إنسان يستحق الاحترام، فالفضاء الرقمى مساحة للتلاقى وبناء الجسور، وليس ساحة مفتوحة للأذى.
محمد مفتى
صحيفة عكاظ