تطوير الإعلام.. هل ينهى «عراب الحوار» سنوات الجرى فى المكان؟

صفاء عصام الدين
صفاء عصام الدين

آخر تحديث: الإثنين 6 يوليه 2026 - 7:05 م بتوقيت القاهرة

مرت خمسة أشهر على تسليم رئيس المجلس الأعلى للإعلام، خالد عبدالعزيز توصيات لجنة تطوير الإعلام لرئيس مجلس الوزراء، متضمنة التحديات التى تواجه الإعلام وسبل التغلب عليها، واليوم بعد خمسة أشهر كاملة يوجه الرئيس الحكومة بفتح المجال أمام الحوار الإعلامى الموضوعى، الذى يشمل الرأى والرأى الآخر، لإثراء النقاش وبناء الوعى، فى إطار من الاحترام والتفاهم.


يوجه الرئيس وزير الدولة للإعلام، بالتنسيق مع الجهات والهيئات الإعلامية والصحفية المعنية، بعقد اجتماع سنوى، مبدئيًا يوم ٣ ديسمبر من كل عام، تحت رعاية رئيس الجمهورية، لمراجعة أوضاع الإعلام المصرى، ومناقشة التحديات والفرص، والخروج بتوصيات عملية، لتطويره بصفة مستمرة.


ليست هذه المرة الأولى التى يتحدث فيها الرئيس عن الإعلام ودوره بشكل عام، وعن تطويره بشكل خاص، إذ سبق واجتمع فى أغسطس 2025 مع رئيس مجلس الوزراء، مصطفى مدبولى، ورؤساء الهيئات الإعلامية، ووجه بوضع خارطة طريق شاملة لتطوير الإعلام المصرى، بالاستعانة بكل الخبرات والكفاءات المتخصصة، بما يضمن مواكبة الإعلام الوطنى للتغيرات المتسارعة التى يشهدها العالم، ويمكنه من أداء رسالته بما يتماشى مع توجهات الدولة المصرية الحديثة والجمهورية الجديدة، كما أكد الرئيس أهمية إتاحة البيانات والمعلومات للإعلام، خاصة فى أوقات الأزمات التى تحظى باهتمام الرأى العام، حتى يتم تناول الموضوعات بعيدًا عن المغالاة فى الطرح أو النقص فى العرض.


• • •
بعد مرور نحو شهرين على لقاء الرئيس مع مدبولى ورؤساء الهيئات الإعلامية، شكل رئيس مجلس الوزراء لجنة لتطوير الإعلام برئاسة رئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، خالد عبدالعزيز.


ضمت اللجنة فى عضويتها 66 عضوًا من أصحاب الخبرات والكفاءات فى الصحافة والإعلام، سواء فى الممارسة العملية أو الأكاديمية، وأنهت اللجنة مهمتها بإعداد توصيات قدمتها لرئيس مجلس الوزراء، بعد نحو 175 ساعة عمل.


حتى الآن لم تفصح اللجنة عن مضمون التوصيات أو يعلنها مجلس الوزراء ويضع خارطة طريق لتنفيذها، وإن كانت ظهرت بعض التسريبات التى تتضمن تشخيص الأزمة التى يمر بها الإعلام، خاصًة مع تراجع الحريات واستخدام العقوبات السالبة للحرية فى قضايا النشر، وغياب قانون ينظم الحق فى تداول المعلومات.


وقدمت اللجنة مقترحًا بقانون لتنظيم الحق فى تداول المعلومات، كما طرحت مقترحات تتضمن العمل على تطوير المحتوى والسياسات الإعلامية التى تسهم فى توفير محتوى أفضل، وكذلك كيفية توفير بيئة جيدة للعاملين فى الحقل الإعلامى بوجه عام، بالإضافة إلى التحلى بالأدوات الحديثة ليس فقط من خلال التقنيات الرقمية وإنما بتحديث العلاقة مع الجمهور عبر احترام عقله، وتقديم محتوى حديث يُثرى وعيه، ويُعزز مناعته الفكرية، إلى جانب تعزيز تنافسية الإعلام المصرى إقليميًا وعالميًا.


• • •
دخل تقرير اللجنة وتوصياتها أدراج الحكومة، لم تفصح عن تفاصيله، ولم تتخذ حتى الآن أى إجراءات فى سبيل تطوير الإعلام وتفعيل دوره وتحسين بيئته التشريعية والسياسية، أو حتى تحسين أوضاع العاملين به.


وبالتوازى مع انتهاء لجنة تطوير الإعلام من عملها، شكل رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولى حكومته الجديدة، فى فبراير الماضى، وأحيا وزارة الدولة للإعلام مجددًا بعد مرور نحو خمس سنوات على استقالة أسامة هيكل، آخر وزير للإعلام، الذى قدم استقالته بعد تعرضه لانتقادات برلمانية.


جاء نقيب الصحفيين السابق، ضياء رشوان وزيرًا للدولة للإعلام، وسط ضبابية دوره ومهامه فى ظل وجود هيئات إعلامية مسئولة عن إدارة الصحف القومية، والتليفزيون المملوك للدولة، وتراخيص الصحف والقنوات الخاصة ومراقبة أدائها.


غير أن رشوان أوضح خلال مؤتمر صحفى للحكومة أن المهمة الأولى التفعيل الدستورى لمواد الدستور فيما يخص حرية الرأى والإعلام والصحافة والنشر، وشدد على أن من واجبه تفعيلها سواء من خلال اقتراح إجراءات تنفيذية أو إجراءات تشريعية من خلال تقديم مشروعات قوانين لمجلس النواب، كما لفت إلى أن من أدوار الوزارة التنسيق بين الهيئات الإعلامية المجلس الأعلى للإعلام والهيئة الوطنية للإعلام والهيئة الوطنية للصحافة.


يلتقط رشوان الذى كان عرابًا ورئيسًا للحوار الوطنى الذى دعا له الرئيس، توجيهًا رئاسيًا جديدًا يتعلق بتطوير الإعلام، وليس هناك من هو أجدر من رشوان بإدارة حوار لتطوير الإعلام وعقد جلسات استماع أو مؤتمرات أو مشاورات بشأن تطوير الإعلام، فسبق وشاهدنا دوره فى إدارة الحوار الوطنى وقدرته الهائلة على إدارة الحوار لساعات طويلة سواء مع مجلس الأمناء باختلاف اتجاهاته وتوازناته، أو فى إدارة الجلسات العامة التى حضرها قطاع واسع من المهتمين فى المحور السياسى والاقتصادى والاجتماعى.


لكن التحدى الذى يواجه رشوان ليس الحوار الذى يبدع فيه، ولكن مدى قدرته على الدفع نحو خارطة طريق تنفيذية من موقعه الحكومى، فخلال السنوات الأخيرة، لم تعان قضية تطوير الإعلام من نقص فى الأفكار أو التشخيص، بل على العكس تمامًا، فقد ناقش الحوار الوطنى، فى جلسة مطولة، قانون تداول المعلومات، وانتهت لجنة تطوير الإعلام إلى تقرير تضمن تشخيصًا للتحديات ومقترحات للتعامل معها، كما خرج المؤتمر العام الخامس لنقابة الصحفيين بعشرات التوصيات المتعلقة ببيئة العمل الصحفى والتشريعات المنظمة للمهنة ومستقبل الإعلام.


• • •
التحدى اليوم ليس فى إعادة إدارة حوار بشأن التطوير أو إنتاج توصيات أخرى، وإنما فى الإجابة عن سؤال أكثر إلحاحًا: هل توجد إرادة حقيقية للتطوير؟ ماذا نُفذ من التوصيات الموجودة فى مكاتب صناع القرار؟ ما الجدول الزمنى لتحويل التوصيات إلى سياسات وتشريعات وإجراءات تؤدى بالفعل لتطوير الإعلام؟


ربما تكون القيمة الحقيقية للتوجيه الرئاسى الأخير هى أن يكون نقطة انتقال من مرحلة التشخيص إلى مرحلة التنفيذ، فلا نبدأ من الفراغ ولا نعيد اختراع العجلة، وننهى سنوات الجرى فى المكان لنبدأ حراكًا حقيقيًا، فالرهان اليوم على عراب الحوار الوطنى، فى قدرته على تفعيل التوصيات وليس إعادة إنتاجها مرة أخرى، والدخول فى حلقة مفرغة من المشاورات التى تنتهى ببيانات احتفالية.


لا يحتاج تطوير الإعلام إلى وصفة علاجية جديدة، فالمرض معلوم والعلاج مكتوب فى تقرير خالد عبدالعزيز وتوصيات نقابة الصحفيين؛ يبدأ التطوير برفع اليد عن الحريات، وإقرار قانون حرية تداول المعلومات، وإعادة الاعتبار لكرامة الصحفى وأمنه المهنى والمادى.


يأتى تاريخ 3 ديسمبر المقبل، الذى حدده الرئيس موعدًا للاجتماع السنوى الأول، ليضع الجميع أمام مسئولياتهم. فهل سنشهد خطة تنفيذية واضحة وجدولًا زمنيًا يُحرك المياه الراكدة؟ أم سيتحول الاجتماع السنوى إلى منصة جديدة لتكرار التشخيص، لنستمر فى الدوران داخل نفس الحلقة المفرغة، ونظل نركض لكن فى مكاننا؟


كاتبة وصحفية متخصصة فى الشأن السياسى والبرلمانى

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved