الله يحسن كبرتنا

تمارا الرفاعي
تمارا الرفاعي

آخر تحديث: الأربعاء 6 سبتمبر 2017 - 9:55 م بتوقيت القاهرة

يطل علينا هذا الشهر إعلان لشبكة اتصالات فى مصر، أقل ما يمكن أن يوصف به هو أنه قليل الأدب، وقليل الذوق، وقليل الإحساس إن لم يكن معدومه. إذ يظهر الإعلان مجموعة أشخاص كبار فى السن فى مشاهد حياتية مختلفة، سواء أثناء الاستحمام أو على كنبة فى غرفة الجلوس، أو على سرير فى غرفة الإنعاش فى مستشفى، يقولون خلالها إن عمرهم قد لا يمتد كفاية لما بعد كأس العالم المقبل فى 2018.
الإعلان غير مفهوم، سواء أكان يدعى خفة الدم، أو كان يحاول إظهار الواقع، كما قال بعض المدافعين عنه. 

***

يتزامن الإعلان مع دراسة لإحدى المنظمات الدولية تنظر فيها إلى أوضاع الشريحة الأكبر عمرا فى البلاد العربية فتظهر ضعف الضمانات التى توفرها لهم القوانين الوطنية المختلفة، كضعف النظم المتوفرة لضمان حصولهم على التأمين الصحى مثلا. كما تظهر الدراسة عدم وجود إلزام كاف لقوانين أماكن العمل، لا سيما الخاصة منها، بنظام معاش ما بعد التقاعد للموظفين، أسوة بما يحدث فى بلاد تطور فيها مفهوم اعتماد الفرد على نفسه حتى فى الكبر. هذا طبعا غير إظهار الدراسة لحجم قطاع العمل غير المقنن المهول، والذى، بطبيعة الحال لا يحتوى على أى ضمانات لمن يتوقف عن العمل أصلا.

***

تعتمد الثقافة المجتمعية العربية كثيرا على فكرة التزام كل جيل تجاه الجيل الذى سبقه من أمهات وآباء، وحتى تجاه كبار السن من الأقارب عموما. لكن إن سألنا أى شخص عن تعريف هذا الالتزام، فإنه سيلاقى صعوبة فى تحديد المهام التى يستطيع على أساسها التأكيد أنه ملتزم تجاه من يكبرونه سنا فى عائلته.
***
«كبار العيلة (أى العائلة فى اللهجة المشرقية) بركة»، جملة كثيرا ما نرددها فى مناسبات تجتمع فيها أجيال مختلفة من عائلة واحدة، كالعيد مثلا أو الأعراس، للدلالة على مكانة يحظى بها كبار السن وتتعمد الثقافة العربية أن تحافظ عليها. لا شك أن لكبار العائلة معزة خاصة فى القلوب، سواء بسبب القصص الكثيرة التى يحافظون عليها بسردها أمام من لم يكن أصلا قد ولد حين حدثت، أو لأنهم، وبحكم تجاربهم، قد باتوا أقل تشنجا ممن هم أصغر منهم سنا ومن هم فى منتصف معترك الحياة. طبعا الكبار بركة، طبعا وجود الجد والجدة فى حياة العائلة يعتبر كعمود فقرى لمشاعر الترابط والمحبة التى سوف يحكى عنها الصغار عندما يكبرون. 

***

لا يختلف بلدان عربيان فى تأكيدهما على ثقافة احترام الكبار، بمعنى أهمية إظهار احترام من نوع خاص لمن هم أكبر سنا فى العائلة أو حتى فى الشارع. إنما إعلان كالذى أطلقته شركة الاتصالات يعيد إلى النقاش موضوع ضمان حياة كريمة لشريحة كبيرة (عدديا) فى المجتمع، دون أن يكون أفرادها بحاجة لأن يستجدوا العاطفة أو المساعدة المادية من أبنائهم. أصلا يبقى السؤال، عند الحديث عن التزام الشباب بكبار السن: ماذا عمن لم ينجب أطفالا؟ من هو المسئول عنه فى هذه الحالة، إن افترضنا جدلا أن الشباب مسئولون عن كبار السن؟
يستوقفنى السؤال كثيرا، لا سيما بعد قراءتى للدراسة قريبة الظهور، إذ إن الاعتماد على تصرف مجتمعى وثقافى يفترض احترام الكبير، وإظهار نوع من التبجيل له قد يفرح الكبير عند اللقاء أو وقت اجتماع العائلة. «روح بوس إيد جدك وحطها على راسك»، جملة كثيرا ما كنت أسمعها فى صغرى. إلا أن تلك القبلة، بكل ما قد تظهره للكبير من تبجيل، لا تقى الكبير من العوز ومن الوحدة، ومن الشعور بأنه أصبح يعتمد على أشخاص لطالما كانوا هم أنفسهم معتمدين عليه.

***

فى الموضوع خليط عاطفى وعملى يصعب أحيانا تفكيكه، إذ على افتراض أننا نريد أن نحافظ ولو على بعض الثقافة المجتمعية التى تقضى باحترامنا للكبير ومراعاتنا له، فكيف يمكن أن تتحول المراعاة إلى التزام؟ ما هى معايير المراعاة؟ ما هى ضمانات أن الكبير سوف يخف إحساسه بوحدته، وسوف يكون مصدرا للقصص الطريفة وليس مصدرا لقلق العائلة على صحته ونظافته وراحته فى بيته؟ لا ضمانات، إذ لا يمكن ضمان أى شىء مادى دون ضمانات قانونية، تحضر الإنسان مبدئيا للمرحلة المتقدمة من عمره وخصوصا ضمن قانون العمل، بما فى ذلك حق الحصول على تأمين صحى معقول وسهل فى الاستعمال.

***

كان جدتى تقول «الله يحسن كبرتنا»، فى إشارة مباشرة إلى أنها تتمنى أن تشيخ بنعومة، وأن تكبر بكرامة، «بدون ما اتبهدل» كما كانت تقول. فى اللغة الانجليزية مصطلح «الكبر بأناقة»، دون أن يعنى ذلك بالضرورة الأناقة فى الشكل أو الملبس، هى أناقة فى الحال عموما، تنتج عن عدم حاجة الكبير إلى مساندة مادية قد يشعر أحيانا أنها تقلل من استقلاليته. أن أكبر بأناقة يعنى أن تحكى خطوط وجهى قصصا عشتها، وأن يرى من حولى فى عينى أفراحا وأحزانا تعاود الظهور كل مرة أتذكر فيها أحداثا. أن أكبر بأناقة يعنى أن أشتاق لأولادى حتى فى صغرهم، تحسبا لليوم الذى سوف يذهبون فيه، عندما يكبرون، فى حال طريقهم، لكننى فى ذلك اليوم سوف يكون فى جعبتى ما يكفى من الضحكات ومن شقاوة الأولاد، ما يسمح لى أن أجلس على كرسيى أنتظر زيارتهم دون أن أشعر بالأسى على نفسى، إذ أنها كانت فعلا رحلة طبيعية، بفرحها وترحها، اسمها الحياة!

 

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2024 ShoroukNews. All rights reserved