هل ستنتهى فكرة جماعات الإسلام السياسى؟

ناجح إبراهيم
ناجح إبراهيم

آخر تحديث: الجمعة 6 سبتمبر 2019 - 9:40 م بتوقيت القاهرة

• بدأت جماعات الإسلام السياسى فى أواخر الثلاثينيات بعد سقوط الخلافة العثمانية، وبعضها كان تقليدا لموجه عالمية انتصرت فيها جماعات وأحزاب مثل الحزب النازى على الدولة الألمانية وسيطرت عليها وحاربت العالم كله تقريبا قبل أن تهزم ويسدل عليها الستار.
• ثمانون عاما أو أكثر وهذه الجماعات تركض فى سباق أو صراع بارد أو ساخن مع حكوماتها المتعاقبة، والآن أكاد أن أقرر أن عصر جماعات الإسلام السياسى قد انتهي بعد طول فحص وتدقيق وذلك للأسباب الآتية مختصرة:
• أولا: أن الدولة وجماعات الإسلام السياسى نقيضان لا يتفقان وعدوان لا يتصافيان وضدان لا يلتقيان وإن التقيا يوما ابتعدا دهرا.
• ثانيا: أن الدولة مهما كان نظامها ملكيا أو جمهوريا لن تقبل بوجود جماعة غير قانونية بداخلها، ولذا فإن جماعات الإسلام السياسى اصطدمت واصطدم بها فاروق، ناصر، السادات، مبارك، السيسى، وسوف يصطدم بها كل الرؤساء القادمين بدرجات متفاوتة مهما كانت توجهاتهم السياسية.
• ثالثا: إن جماعات الإسلام السياسى تحمل بذور فنائها وعنتها وضعفها فى داخل بيئتها الفكرية والعقائدية والتحتية لأنها تريد أن تحل محل الحكومات المتعاقبة ولن تسمح أى حكومة بذلك، فتحدث الحرب بعد الصراع البارد أو الساخن، وفى كل هذه الحروب تخسر الجماعات وتكسب الدولة مهما كانت قوة الجماعة وتماسكها وضعف الدولة ونخور الفساد أو الاستبداد فيها.
• بل إن بعض الحكومات قد تكسب قوتها ومشروعية بقائها واستمرارها من حربها على هذه الجماعات وتكون النهاية لشباب هذه الجماعات الواعد والمتخرج من أفضل وأرقى الكليات ومن أفضل الأسر وأتقى النوعيات أن يكون فى السجون أو القبور.
• رابعا: أن جماعات الإسلام السياسى كلها تبدأ سلمية ثم تتجه نحو العنف تدريجيا بعد أن تسجن الحكومة بعض أفرادها أو تمنعهم من نشاطاتهم أو تفعل بهم ومعهم كذا وكذا، فتخرج مجموعة متحمسة لتدافع عن باقى الجماعة أو دعوتها فتلجأ إلى العنف تدريجيا حتى تصل إلى الاغتيالات والتفجيرات وهذا متكرر من الأربعينيات وحتى اليوم، ولا تستطيع الجماعة نفسها السيطرة على هذه المجموعات نفسها أو إيقاف عنفها.
• خامسا: أن الجماعات تدور فى دائرة جهنمية لا فكاك منها تقريبا، يبدأ المسلسل المعروف بأن الجماعات تبدأ سلمية متسامحة ثم يقع بعض أفرادها فى العنف الذى يؤدى إلى اعتقالات واسعة وتعذيب وما شابه ذلك، ثم تشدد وتطرف أكثر وأكثر ثم عنف وتفجيرات واغتيالات ثم اعتقالات أكثر يعقبه تشدد وتطرف وتكفير أكثر ثم انشقاقات ثم مجموعات جديدة، ثم اعدامات ثم ثأر للقتلى والسجناء، دائرة جنونية جهنمية لا تنتهى أبدا ومتكررة منذ الأربعينيات وحتى اليوم، ولا يستطيع أحكم القادة وقف هذه الدائرة الجنونية إلا بشق الأنفس.
• سادسا: معظم جماعات الإسلام السياسى تكرر أخطاءها وتلدغ من نفس الجحر الذى لدغ منه أقرانها من قبل عشرات المرات.
• والسؤال الملح: لماذا لا تتعلم من أخطائها وتراكم خبراتها؟
• والإجابة: أنها لم تراجع نفسها مرة واحدة، ولم تورث لأجيالها المقبلة أخطاءها السابقة.
• ولماذا لا تفعل ذلك؟ لأنها دوما تخجل من أن تذكر أخطاءها وعيوبها، فبعض الجماعات قد يكون عمره 80 عاما ولم يذكر لأبنائه وأحفاده فى الجماعة خطا إداريا أو سياسيا أو دينيا وقعت فيه من قبل ويظن ذلك حسنا، ودائما ما يحمل المصائب والهزائم التى تحدث له على شماعات جاهزة ومعروفة «البلاء يصفى الصف، نظرية المؤامرة، كراهية الطرف الآخر للإسلام، حرب الجميع على الإسلام دون أن يسأل وأين خطؤنا نحن بعد ان عرفنا أخطاء الآخرين.
• سابعا: تقع الجماعات فى خطأ متكرر وهو احتكار التحدث باسم الإسلام، احتكار رعاية مصالح الإسلام وخدمته دون الآخرين، والاعتقاد الجازم أنها تخدم الإسلام، فى حين أن الناظر والمدقق للحصاد العام لجماعات الإسلام السياسى ونتائجها فى مجالات الدعوة والسياسة والحكم يعد سلبيا، فهى لا حافظت على الدعوة الإسلامية ولا تركتها تسير بحرية وسعة ولا وصلت إلى الحكم ولن تصل إليه، وقد كتبت منذ عشرين عاما «أن هذه الجماعات لن تصل إلى السلطة وإذا وصلت إليها أجبرت على تركها».
• ثامنا: حركات الإسلام السياسى بطريقتها ومنهجها الثابت والمتكرر تتسبب بطريق مباشر أو غير مباشر فى إدخال عشرات الآلاف من أبنائها إلى السجون ومعظمهم من الأطباء والمهندسين وخريجى وطلاب الجامعات وبعضهم أساتذة فى الجامعات، ليقضوا فيها زهرة أعمارهم، وتأكلهم الجدران الصلبة وتقتل ملكاتهم، دون أن يرحمهم أحد، ولا يشفق عليهم أحد.
• تاسعا: تنحو معظم جماعات الإسلام السياسى على الأقل فى جزء من تكوينها إلى السرية التى تمثل بداية الانحراف فى طريقها.
• والحقيقة أن السرية هى آفة كبرى تولد معظم الآفات والأخطاء التى تقع فيها جماعات الإسلام السياسى، وهى التى تولد الأجنحة العسكرية والتعصب والغرور واحتكار الحقيقة والدين.
• عاشرا: الجهود العلمية للجماعات يمكن أن يقوم بمثلها قسم من أقسام أى كلية شرعية فى مصر أو الخليج أو المغرب، فعدد الإصدارات التى تصدر من كلية الشريعة مثلا بإحدى جامعات الكويت قد تزيد على الإصدارات العلمية لجماعة طوال تاريخها، وذلك للتضييق الشديد على علماء هذه الجماعات من جهة ولانشغال علمائها بترسيخ وضع الجماعة الدعوى وتقديمه على الاهتمام بالعلم ذاته.
• أحد عشر: قناة واحدة فضائية أو على اليوتيوب يديرها بضعة دعاة محترفين يمكن أن تحبب الناس فى الإسلام أكثر من يعض جماعات الإسلام السياسى التى قضت سنوات طويلة فى الدعوة، وذلك دون سجون أو صدام أو خراب أو خوف أو قبض متكرر.
• ثانى عشر: جمعية خيرية واحدة مثل مصر الخير أو رسالة أو الجمعية الشرعية يمكن أن تنجز فى العمل الخيرى دون ضجيج أو صراع أو إغلاق متكرر أو مصادرة أو خوف ما تنجزه عشرات من الجماعات فى الإسلام السياسى فى العمل الخيرى.
• فالجمعية الشرعية وحدها ترعى قرابة ثلاثة أرباع مليون يتيم ومصر الخير والأورمان انقذوا مئات آلاف من الغارمات فى السجون وأجروا ملايين الجراحات للفقراء ووزعوا فى كل عام ملايين الكراتين فى شهر رمضان، دون أن يطلبوا من الفقير شيئا لا الانضمام لجماعة ولا غيره ولا المنُ عليه.
• والحقيقة التى خلصت إليها من تجربة حياتى هى: أن الحصاد الدعوى لجماعات الإسلام السياسى سلبى فى مجمله على الدعوة الإسلامية من جهة وعلى أبنائها من جهة أخرى، رغم تأكدى من حسن نيات معظم أبنائها وصدقهم مع أنفسهم وأن أغلبهم لم يتكسبوا شيئا من الدنيا وبعضهم بذل حياته كلها وآخرون سجنوا معظم حياتهم، وأنهم بذلوا أعمارهم من أجل فكرة رأوها نبيلة وكلما سعوا إليها بهذه الطريقة ازدادت عنهم بعدا فلا أرضا قطعوا ولا ظهرا أبقوا.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2019 ShoroukNews. All rights reserved