فى انتظار المهدى

مدحت نافع
مدحت نافع

آخر تحديث: الإثنين 6 سبتمبر 2021 - 8:00 م بتوقيت القاهرة

المهدى المنتظر فى عقيدة الملايين هو إمام آخر الزمان المنتصر المظفر الذى يجلى الله به الغمة ويرفع الظلم ويعم بفضله العدل والرخاء عدد سنين. فى صفاته ومحاسنه مئات الكتب وآلاف المدونات والنبوءات، فهو الذى يملأ الأرض قسطا وعدلا بعدما ملئت جورا.. لكن أعظمها أثرا فى النفوس أنه من يؤم المسلمين فى بيت المقدس وفى صفوفهم يومئذ عيسى بن مريم عليه السلام، وقد تأخر طوعا عن الإمامة ليتولاها فضيلة الإمام المهدى.
ولأننى لست خبيرا فى هذا الباب من العلوم، فلن أتطرق إلى مواطن الاتفاق والاختلاف بين السنة والشيعة فى شخص المهدى، وما إذا كان غائبا يرجى من الله التعجيل بخروجه، أو هو رجل ولد فى أيامنا هذه ولعله لم يولد بعد.. كذلك أكره الاستعلاء على أمة من البشر، متخذا من التشكيك فى قناعاتهم منهجا لبسط رأى متفلسف مداره أن الأديان كلها عرفت الهادى والنبى المنتظر الموعود فى مختلف العصور، وأن انتظار المهدى مرده حالة نفسية جماعية تقود أصحابها للهروب من الواقع المتأزم إلى أحلام الخلاص، الذى يأتى من فوق سبع سماوات.
ترانى فى ذاك المقام عزيزى القارئ وقد وضعت قناعا زائفا لحكيم متفيهق يحضك على العمل والسعى لتغيير الواقع عوضا عن الانتظار.
فأنا مثلك أنتظر أن يرفع الله كل ظلم وجهل وفقر ووباء بتدبيره وحكمته، وإن كان ذلك يتطلب ظهورا شريفا لرجل مختار فلا بأس، فلله جنوده التى يعلمها وحده ويتخيرها ويجرى المقادير فى أعنة خيولها وبأنصال سيوفها.
•••
فى السنة الشريفة ما يدعم التبشير بولاية المهدى، وعلماء الحديث أقدر منى على تصنيفه وتدقيقه. لكن ما لفت انتباهى وأنا أبحث فى هذا الموضوع أن الكثير من البشارات عن الإمام المهدى وأصحابه والممهدين لقدومه قد كتبت بلغة ركيكة مسفة، كاشفة عن انتحالها ونسبتها زورا إلى صحابة وتابعين. وبعضها تم تلبيسه بصفات وعلامات لتناسب رؤساء وقادة محدثين، هم أبعد ما يكونون عن الهداية والإصلاح، وبعد سقوطهم بقى النص الشائه متداولا فى غرف الدردشة التى باتت مصنعا لإسرائيليات العصر الحديث.
من ذلك إحدى البشارات عن «صحابى مصر» التى أحسبها كتبت منذ أقل من عقدين من الزمان لتناسب وتداهن رئيسا معزولا، ثم بقيت بعد رحيله عن الحكم متداولة بين نصوص اختلط فيها الحق بالباطل والتدليس. وعلى شاكلة صحابى مصر أو صاحب مصر قرأت بشارة جديدة مضحكة فى صياغتها تذكر المواصفات الجسمانية والأحرف الأولى لاسم شخص معروف، تتنبأ باستلامه السلطة فى وقت قريب، ولا أعرف إن كان منشئ تلك النبوءة الكاذبة يريد خيرا بصاحبه أم يضمر له الأذى... ومع الأسف سوف تحفظ محركات البحث على شبكة الإنترنت تلك الأباطيل لفترات بعيدة، حتى يضل الناس بها وقد جردوا من أدوات النقد والتحليل، وشاع بينهم الجهل بأبسط قواعد اللغة والمنطق الفاضحة لتنبؤات مسلوقة ومعلبة، تقدم لأصحابها بعد تسخين سريع غير منضج ولا مقنع إلا للدهماء، الذين تهضم عقولهم كل هراء.
•••
الإنسان مجبول على حب السيطرة، فقد عرضت عليه الأمانة فحملها ظلما وجهلا بعدما أبت السماوات والأرض والجبال أن يحملنها دونه. وقد تعددت أمارات فقد السيطرة على هذا الكوكب بصورة مخيفة خلال السنوات الأخيرة. فالمناخ يتغير بفعل ملوثات البشر، والأوبئة تفتك بالملايين ولا يوقفها تقدم العلوم وتطور القدرات البحثية، والموارد تنفد سريعا ولا تتوازن مع الزيادة العددية للسكان إلا بتكلفة باهظة علمها «مالتس» من قبل.. والحقائق ضاعت أو طمست فى وسائط نقل المعلومات بعدما زاحمتها مليارات الأكاذيب والضلالات.. يقول الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم) عن أبى هريرة: «سيَأتى علَى النَاسِ سنواتٌ خدَاعاتُ يصدَقُ فيها الكاذِبُ ويُكَذَبُ فيها الصَادِقُ ويُؤتَمنُ فيها الخائنُ ويُخوَنُ فيها الأمينُ وينطِقُ فيها الرُوَيْبضةُ قيلَ وما الرُوَيْبضةُ قالَ الرَجلُ التَافِهُ فى أمرِ العامَةِ«
ولا نتصور تحقق ذلك بقلة المعلومات وندرة ناقليها، بل بتخمة الفضاء الإلكترونى بمعلومات لا يعرف لها سند ولا يصح منها متن.
ومع إدراك الإنسان لحقيقة فقده للسيطرة على مصيره ومصير الدنيا أو ما بقى منها، فإنه يتجه إلى قوة أعلى للخلاص.. يقول الله تعالى فى سورة العنكبوت:
«فَإِذَا رَكِبُوا فِى الْفُلْكِ دَعَوُا اللَهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِينَ فَلَمَا نَجَاهُمْ إِلَى الْبَرِ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ» صدق الله العظيم.
أما إذا توهم الإنسان سيطرته على مقاليد الأمور فإنه عادة ما يكون على موعد مع زوال النعمة التى يؤكد خالقها أنها لن تبقى على أية حال، ولكن الصبر على زوالها والرضا به يثبت به الخالق قلوب الشاكرين..
يقول تعالى فى سورة يونس: «حَتَى إِذَا أَخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَيَنَتْ وَظَنَ أَهْلُهَا أَنَهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلا أَوْ نَهَارا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَرُونَ».
صدق الله العظيم.
•••
كيف إذا ظهر للسؤال الواحد ألف إجابة؟! وإذا انتشر للحقيقة ألف وجه متطابق؟ وإذا رفع العلم بقبض العلماء؟ وإذا ظهر الفساد وعظم شأن النفاق وكثر القتل؟...
كيف لا يُنتظر المهدى؟!
إن أسباب الاتفاق والألفة تتلاشى بين الشعوب، والسياسة تعجز عن بسط نماذج ناجحة للحكم إلا وقد شابها هزائم متعاقبة وتفاوت فى توزيع الثروات. التحالفات القائمة على المصالح المشتركة تميل وتنحرف وتنذر بالتفكك والعزلة. يتوقع الناس إذن أسبابا أخرى للاتفاق، وإن كانت روحية أو غير منظورة، بعدما فشلت المادة فى رأب الصدوع. التقارب بين الأديان هو أحد تلك المساعى، وأظن منبت الإبراهيمية والدعوة إليها أخيرا قد جاء من هذا المدخل. لكن وحده إمام عادل يمكنه أن يحل تلك الأزمات لو اجتمع عليه الناس.. ولأن كل متوقع آت فإن العقل الجمعى لمليارات البشر يملك صناعة هذا الإمام والتعجيل بظهوره. وهنا تكمن مخاطر كبرى، تنشأ عن صراع حتمى بين حل إلهى مرتقب وحل بشرى متعجل لا يسلم من مائة «مسيلمة» وأكثر من دجال.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2021 ShoroukNews. All rights reserved