حياة بلا هاتف محمول

قضايا تكنولوجية
قضايا تكنولوجية

آخر تحديث: الأحد 6 سبتمبر 2026 - 7:00 م بتوقيت القاهرة

اعتدت فى مكتبى، أن أعمل بهدوء، وعندما تدخل إحدى الزميلات، فإننى أطلب منها الهدوء حتى أنتهى.

بعضهن يفضلن الذهاب والعودة فى ما بعد، أما إحداهن فقالت لى إنها ستبقى صامتة حتى أنتهى.

وفعلًا قمت بالعمل بهدوء لوقت طويل حتى شعرت أننى وحدى فى غرفة المكتب، فالتفتُّ لأتأكد، فصُدمت بها تنظر إلىَّ مباشرة، فقلت: بسم الله الرحمن الرحيم، لماذا أنتِ صامتة وتنظرين إلىَّ هكذا كالتمثال؟ فأجابتنى بأنه لا بأس فى ذلك. فقلت لها: أنتِ مرعبة وأنتِ تتابعيننى هكذا، أمسكى الهاتف وتابعى وسائل التواصل الاجتماعى. فأجابت: لست محتاجة إلى ذلك.

هذا الموقف جعلنى أحقق معها لمدة طويلة: كيف؟ كيف يستطيع الإنسان اليوم أن يبقى هادئًا لمدة طويلة من دون أن يقوم بعمل ما؟ وفوجئت بها تقول إنها فى المنزل تجلس ساعات طويلة من دون هاتف أو تلفاز أو حتى كتاب، بل تبقى صامتة لمدة طويلة فى غرفتها. فقلت لها: كيف حال تركيزك؟ أجابتنى: بأفضل حال.

نعم، زميلتى هذه تتمتع بقوة ذاكرة وتركيز، ما شاء الله. سألتها: هل أستطيع القيام بهذا أنا أيضًا؟

ذهبت إلى أحد المستوصفات فى يوم، وكان هناك رجل يقف مع والدته التى تجلس على كرسى متحرك ينتظران دورهما. يمسك هذا الرجل بأوراق والدته، الطبية، وفى الوقت نفسه يضع السماعات فى أذنيه وشاشة الهاتف أمامه، يتابع حلقة من مسلسل ما.

نحن مدمنون على استخدام التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعى بشكل مخيف جدًا، لدرجة أن الشخص الذى يبقى من دون شىء يشغله لمدة طويلة يدعو للريبة والتساؤلات.

مكتبتى فى البيت مليئة بالكتب، وقررت أن أزيد ساعات القراءة اليومية حتى أنتهى قريبًا من قراءة تلك الكتب كلها. فى البداية كان الأمر صعبًا، فلقد لاحظت استمرارى فى العبث بهاتفى وفتح وسائل التواصل الاجتماعى فقط للمتابعة، وليس لأمر مهم. حينها أبعدت الهاتف عني، وجلست على كرسى القراءة أقرأ الكتاب.

شعرت بالملل وبأننى بحاجة إلى القيام بعمل ما؛ ربما تحضير القهوة، أو ترتيب الغرفة، أو متابعة حلقة من مسلسل «الأصدقاء». كل هذه الأفكار جاءت عندما أردت فقط قراءة كتاب. هل الكتاب ممل؟ لا، ولكن الشعور جديد؛ فقد كنت أنهى كتابًا فى يومين، والآن يبقى الكتاب معى لمدة شهر إلى شهرين حتى أنهيه.

ما الذى يجعلنا نفكر كثيرًا فى القيام بأشياء كثيرة فى الوقت نفسه؟ لماذا لا نعطى كل شىء حقه من الوقت؟ على الرغم من أننى أحب التنظيم بشكل كبير، فإننى دائمًا أرى أن 24 ساعة فى اليوم مدة قليلة مقارنة بالمهام التى نريد القيام بها؛ فأغلب اليوم يذهب فى العمل والنوم، وتبقى ساعات قليلة جدًا للقيام بالمهام والإنجازات، أو ربما ممارسة الرياضة وتعويض الجسم عن أوقات الاستلقاء والنوم أو الجلوس لمدة طويلة فى العمل.

إن فكرة عمر الإنسان المحدود والقصير، تجعله يشعر بعدم الإنجاز باستمرار، حتى وإن كان شخصًا منجزًا حقًا؛ فالتعطش للإنجاز لا ينتهي، وهذا ما يجعلنا نقلق بشأن الوقت. لكن التناقض الذى نعيشه مرعب جدًا؛ نحن نخاف من تضييع الوقت، ونضيعه فى تفاهات كتصفح مقاطع فيديو قصيرة لا تنتهى. غالبًا ما يبحث عقلنا عن الراحة أكثر من الفائدة.

قراءة الكتاب تحتاج إلى صبر وتركيز وجهد، وتحمُّل الملل أحيانًا إذا كان الكاتب مصرًّا على ذكر تفاصيل لا تهم فى الرواية. أما الهاتف فيعطينا ترفيهًا فوريًا، ومعلومات جديدة كل ثانية، بعضها معلومات مغلوطة، وشعورًا موقتًا بالمتعة والهروب من ضغوط الحياة والعمل.

ونبرر لأنفسنا أننا لم نقطع صلة الرحم؛ لأنهم موجودون فى الهاتف الذى بأيدينا، وفى أى وقت نستطيع الاتصال بهم. ولا حاجة لنا اليوم إلى ارتداء الملابس والذهاب إلى السوق؛ نستطيع التسوق عن طريق الهاتف، ونستطيع العمل أيضًا عن طريق الهاتف.

الكثيرون اليوم لا يذهبون إلى مكتب ويرون زملاءهم، وإنما يعملون فى البيت عن طريق الحاسوب المحمول أو الهاتف. بل أعتقد أن الهاتف كان أحد أسباب عزوف الشباب عن الزواج؛ فالجميع أصدقاء وموجودون فى وسائل التواصل الاجتماعى، ولا أحد يشعر بالوحدة والعزلة. بل عندما يتحدثون عن الأسرة والزواج، فإنهم يذكرون الجوانب السلبية، ما يعزز قناعة الشباب بآرائهم.

السؤال الذى يجب أن نطرحه على أنفسنا دائمًا: إذا اختفت الأجهزة الإلكترونية والإنترنت، هل نستطيع الإنجاز فى حياتنا؟ بعد أن اعتدنا البقاء لمدة طويلة والعمل خلف الشاشات، ولوحدنا من دون أناس حولنا أغلب الوقت، ماذا سيحدث لنا عندما تعود الحياة كالسابق؛ نزور بعضنا بعضًا دون اتصال، ونتسوق فى المحلات؟

لقد ابتسمت وحزنت فى الوقت نفسه عندما سمعت أغنية الفنان الراحل عبدالكريم عبدالقادر، وهى: «ما كان فى هالدنيا ورق ولا بريد».

لقد غناها فى وقت كان الناس يرسلون الرسائل وينتظرون الرد خلال أسابيع، وأحيانًا أشهر. أما اليوم، فتصل الرسالة خلال ثانية أو ثانيتين فقط. كيف نتحمل التخلى عن هذه المميزات؟

سارة النومس

جريدة الرأى الكويتية

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved