هدية عمرو موسى إلى مصر فى التسعين.. كتاب جديد

خالد أبو بكر
خالد أبو بكر

آخر تحديث: الثلاثاء 6 أكتوبر 2026 - 6:15 م بتوقيت القاهرة

 

لا أنسى ما حييت يوم الإثنين السادس والعشرين من أكتوبر 2015، حين دق هاتفى فى تمام الساعة الرابعة عصرًا. كان المتحدث المهندس إبراهيم المعلم، الناشر الكبير ورئيس مجلس إدارة دار الشروق وجريدة «الشروق»، التى كنت أشغل منصب مدير تحريرها. قال لى: «إنت فين؟.. قلت لهم يبلغوك من أسبوعين أنك سوف تكتب مذكرات السيد عمرو موسى، وموعدنا معه بعد ساعتين فى بيتى».

نزل علىّ الخبر كالصاعقة، لم أنفق ثوانى كثيرة فى التفكير فيمن كان مفترضًا أن يبلغنى ولم يبلغنى، بينما لم يتبقَ أمامى سوى ساعتين على أهم اختبار مهنى فى حياتى قاطبة. أى صحفى لو أجرى حوارًا مع عمرو موسى، بنجوميته السياسية، لاعتبره حوار عمره، فما بالك لو كان هذا الصحفى هو من سيحرر ويوثق مذكراته؟

• • •

أنا رجل العسكرية جزء من تكوينه، كثيرًا ما أتعامل مع الحياة كمعركة على خط النار. قلت لنفسى: أنا «ضابط مقذوفات موجهة مضادة للدبابات»، اعتدت تدريب رجالى على الاشتباك مع الأهداف على خطوط النيران المدبرة، أى المتوقع هجوم العدو منها، حيث تعرف الأرض ومحاور التقدم وتستعد جيدًا؛ كما تدربنا على القتال على خطوط النار غير المدبرة، التى يفرضها تغير سير المعركة، وهنا لا تسعفك إلا مرونتك التكتيكية وسرعة تقدير الموقف وسرعة رد الفعل.

قلت لنفسى: أنت الآن على خط نار غير مدبر. لم تسمح لك الظروف بالاستعداد للقاء تاريخى فى حياتك، لكنك مدرب، وتمتلك أدواتك، وبإذن الله ستنجح فى الاختبار الذى حتمًا سيضعك فيه السيد عمرو موسى.

وبالفعل، وبعد تزكية وتقديم مهيب من المهندس إبراهيم المعلم، الذى أدين له بالكثير فى حياتى المهنية جراء هذا الموقف، جاء الاختبار سريعًا. سألنى السيد موسى: «برأيك.. من سوف يقرأ مذكراتى؟».

قلت: «يجب أن يقرأها الجميع؛ من رجل الشارع الذى تعلق بك وبمواقفك عندما كنت وزيرًا للخارجية، ويجد فيها جديدًا، إلى الدبلوماسى والسياسى المتمرس، ويجد فيها جديدًا أيضًا».

شعرت بأن الإجابة التى ألهمنى الله بها أعجبته. وبدأنا من تلك الليلة رحلة العمل على الجزء الأول من «كتابيه»، ومنذ الجلسات الأولى حافظت على قاعدة تعلمتها فى خدمتى العسكرية: مهما تبسط أمامك المسئول الكبير، احتفظ بانضباطك، وحافظ على المسافة بينك وبينه، ولا تعتبر تبسطه إذنًا بإلغائها. وهو ما أحافظ عليه حتى كتابة هذه الكلمات؛ فرغم توطد العلاقة الإنسانية مع السيد موسى، وحنوه واهتمامه بى وبشئونى وسؤاله الدائم عن ابنى، بقيت تلك المسافة المريحة من الوقار والانضباط قائمة.

• • •

عبر أحد عشر عامًا، انتهينا خلالها من جزأين من «كتابيه»، وعملنا على الثالث، كان السيد عمرو موسى هو عمرو موسى: الرجل العملى، الذى يعمل فى كل الأوقات، وفى كل الظروف، وفى كل الأيام والمناسبات. المهم لديه أن ينتهى مما فى يديه من عمل بأعلى درجات الكفاءة الممكنة، وأن يعمل فريقه معه بالهمة نفسها والاستعداد نفسه.

وهنا تحديدًا تلتقى بداية حكايتى معه بما أريد أن أقوله عنه فى عامه التسعين؛ فلم أستغرب أن يأتى احتفاله بالتسعين على طريقته هو؛ فالمعتاد فى عيد الميلاد أن ينتظر الناس الهدايا.. أما عمرو موسى فقرر أن يقدم هو الهدية.. هديته إلى مصر وتاريخها وذاكرتها العامة وهو فى التسعين: كتاب جديد.

فقد انتهى من الجزء الثالث من سيرته الذاتية، الذى يتناول الفترة من 2011 إلى يونيو 2014؛ واحدة من أكثر فترات تاريخ مصر المعاصر كثافة واضطرابًا، وكان موسى فيها شاهدًا وفاعلًا: من دخوله قلب السياسة المصرية بعد ثورة يناير، وترشحه لرئاسة الجمهورية عام 2012، مرورًا بحكم الإخوان، ثم جبهة الإنقاذ و30 يونيو 2013، وصولًا إلى رئاسته لجنة الخمسين التى أعدت دستور 2014.

أعرف، بوصفى محررًا وموثقًا لهذه السيرة منذ بدايتها، مقدار الجهد الذى بذله فى تسجيل شهادته ومراجعتها وتدقيقها، بل وتذوق كلماتها وصياغاتها؛ فلم نتعامل مع سيرته باعتبارها حكايات يتذكرها صاحبها، وإنما شهادة ينبغى أن تضبط وقائعها وتواريخها، وأن تُراجع وتختبر فيها الذاكرة بالوثائق كلما أمكن، وأن نستعين بشهادات المعاصرين فى حوادثها المفصلية.

• • •

كان الجزء الثالث هو الأصعب؛ لأننا نقترب فيه مما يعرف أكاديميًا بـ«التاريخ الآنى»، بأحداثه التى لم تبرد تمامًا، وبالجدل الذى لم ينته حول كثير منها. والكتاب هنا لا يدعى أنه يقدم «الحقيقة» المطلقة.. إنه يقدم ببساطة شهادة صاحبه: ما رآه، وما عرفه، وما فعله، وكيف فهم ما كان يجرى حوله. ثم يأتى دور القارئ والباحث والمؤرخ ليضع هذه الشهادة إلى جوار الوثائق والشهادات الأخرى.. لكن ما نشدد عليه هو أن التاريخ لا يستطيع أن يستغنى عن شهادات الذين شاركوا فى صنع أحداثه بغض النظر عن مقدار ذاتيتها أو موضوعيتها التى كان السيد موسى أشد حرصًا عليها فى كتبه الثلاثة.

هنا، فى رأيى، قيمة ما يقدمه عمرو موسى فى التسعين؛ فهو لا يصدر جزءًا ثالثًا من سيرته فقط، وإنما يخرج جزءًا من ذاكرته الشخصية ليضعه فى الذاكرة المصرية العامة، ويضيف إلى تاريخ مصر والمكتبة العربية كتابًا جديدًا، أرجو أن يجد طريقه أيضًا إلى لغات ومكتبات أخرى.

• • •

عندما أتذكر مكالمة الرابعة عصرًا فى السادس والعشرين من أكتوبر 2015، واللقاء الذى دخلته بعد ساعتين على «خط نار غير مدبر»، ثم أنظر إلى ما بين يديّ اليوم، بعد أحد عشر عامًا، أجد أن الإجابة عن سؤال عمرو موسى الأول لا تزال هى نفسها: يجب أن يقرأ هذه السيرة الجميع، من القارئ العادى إلى السياسى والدبلوماسى والباحث والمؤرخ.. اليوم وغدًا وبعد غد.

أما أنا، فلا أجد فى عيده التسعين خبرًا أكثر تعبيرًا عن الرجل الذى عرفته طوال هذه السنوات من هذا الخبر: عمرو موسى فى التسعين انتهى من كتاب جديد.

وفى عيد ميلاده، بدلًا من أن ينتظر أن تقدم إليه هدية، يقدم هو إلى مصر جزءًا من ذاكرتها.

 

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved