العلمين... بداية تقارب إقليمي جديد

عبدالرحيم شلبي
عبدالرحيم شلبي

آخر تحديث: الثلاثاء 6 أكتوبر 2026 - 6:15 م بتوقيت القاهرة

القمة الاستشارية الرباعية التي استضافتها العلمين الجديدة في الرابع من أكتوبر، وجمعت مصر والسودان وإريتريا والصومال، تستحق نظرة أبعد من لغة اللقاءات الدبلوماسية المعتادة. فقد انعقدت على هامش الاجتماعات الأفريقية الأوسع في العلمين، ومنها اجتماع التنسيق نصف السنوي للاتحاد الأفريقي. وكانت القاهرة قد أعلنت عنها في الثالث من أكتوبر بوصفها لقاءً للتشاور والتنسيق حول قضايا إقليمية مشتركة، وأكد البيان الختامي أن الرئيس عبد الفتاح السيسي هو الذي دعا القادة الثلاثة. فهي إذن لم تكن لقاءً ارتجالياً، وإن لم يتوافر ما يدل على المدة التي سبقت التحضير له. غير أن الأهم من ذلك هو ما خرجت به، أي إطار للتشاور المستمر بين أربع دول تتقاطع مصالحها بصورة متزايدة عبر وادي النيل والبحر الأحمر والقرن الأفريقي.

وأرى أن الوصف الأدق لما جرى هو تقارب إقليمي ناشئ، لا حلف. فليست هناك معاهدة دفاع مشترك، ولا قيادة موحدة، ولا التزام بعمل عسكري جماعي. وإنما التقت الدول الأربع حول مبادئ ومصالح بعينها، هي السيادة، ووحدة الأراضي، والمؤسسات الوطنية، ورفض الكيانات الموازية، وأمن الملاحة في البحر الأحمر، والقانون الدولي للمياه العابرة للحدود، والأمن الإقليمي.

وفيما يخص السودان، فإن اللغة المستخدمة ذات دلالة. فقد أيدت الدول الأربع وحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه ومؤسساته الوطنية، ورفضت الكيانات الموازية والدعم الذي يصل إلى المرتزقة. وهذا يضعها بوضوح في مواجهة تفكيك السودان وفي مواجهة أي بنية حكم منافسة. لكن من الإنصاف ألا نحمّل النص أكثر مما يحتمل، فالبيان لم يعلن أن القوات المسلحة السودانية هي السلطة الدستورية الشرعية الوحيدة. وموقفه أوسع من ذلك، ومفاده أن السودان ينبغي أن يبقى دولة واحدة، وأن مؤسساته يجب أن تُصان، وألا تحل محلها بنية موازية.

وتبدو الصياغة المتعلقة بالصومال بالوضوح نفسه. فالبيان يرفض أي إجراء يمس سيادة الصومال وسلامة أراضيه، ويرفض الاعتراف بما وصفه بـ"أرض الصومال المزعومة" أو دعمها. أما الإشارة إلى بعثة الاتحاد الأفريقي للدعم والاستقرار في الصومال (أوصوم) فتضيف بُعداً عملياً للأمن، يتمثل في تمويل دولي كافٍ ويمكن التعويل عليه، ونقل منظم للمسئوليات الأمنية إلى القوات الصومالية.

ومع ذلك فإن موقف الصومال نفسه يوضح لماذا لا ينبغي قراءة هذا التقارب على أنه كتلة موجهة ضد إثيوبيا. فقبل العلمين بأيام، في التاسع والعشرين من سبتمبر، التقى الرئيس حسن شيخ محمود برئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد في أديس أبابا، بناءً على طلب من آبي أحمد بحسب ما نُشر، لبحث العلاقات الثنائية والتطورات الأمنية في القرن الأفريقي. وعقب قمة العلمين مباشرة قال إن بلاده مستعدة لإتاحة منفذ إلى ميناءين أو ثلاثة من موانئها لأغراض تجارية أمام إثيوبيا، بشرط أن يجري التفاوض على ذلك مباشرة وأن يظل تحت السيادة الصومالية.

وتفرّق مصر بين الأمرين على النحو ذاته. فقد صرح وزير الخارجية بدر عبد العاطي بأن مصر لا تعترض على وصول إثيوبيا التجاري إلى البحر الأحمر، وإنما تعترض على أي وجود عسكري بحري إثيوبي فيه. فالخط الفاصل يقوم بين حاجة اقتصادية مشروعة ودور عسكري أو أمني في البحر الأحمر.

ولنص البحر الأحمر في البيان منطق مماثل. فالدول الأربع تؤكد حرية الملاحة، وتقرر في الوقت نفسه أن إدارة شئون البحر الأحمر مسئولية حصرية للدول المطلة عليه. ولا تذكر الصياغة إثيوبيا بالاسم، وإنما تضع مبدأً عاماً مؤداه أن حوكمة البحر الأحمر شأن الدول المتشاطئة عليه.

ويفسر ذلك أيضاً غياب جيبوتي عن القمة. فجيبوتي هي المنفذ البحري الرئيسي لإثيوبيا، وتربطها بها علاقة استراتيجية واقتصادية خاصة. لكنها ليست خارج المجال الإقليمي لمصر، ولها علاقات واسعة مع القاهرة، وهي، بوصفها دولة مطلة على البحر الأحمر، تُعد جزءاً أصيلاً من منظومة أمن البحر الأحمر. فغيابها عن هذه القمة لا يعني استبعادها من الإطار الأوسع للبحر الأحمر، وكل ما يشير إليه أن هذا التقارب الرباعي أضيق من مجموعة الدول المعنية بأمن البحر الأحمر، وأن جيبوتي تبقى في صميم هذه المجموعة بحكم موقعها الجغرافي.

وتتبع فقرة النيل الأسلوب ذاته. فسد النهضة الإثيوبي الكبير لا يرد ذكره بالاسم، وإنما يشير البيان إلى القانون الدولي المنظم للأنهار العابرة للحدود، مؤكداً الإخطار المسبق والتشاور والتوافق وعدم الإضرار، ويرفض الإجراءات الأحادية التي تضر بالاستخدامات القائمة لدولتي المصب. وبذلك يتحول ما يُعرض عادة على أنه خلاف مصري إثيوبي إلى مسألة أوسع تتعلق بالقانون الدولي للأنهار المشتركة.

على أن أكثر ما يلفت النظر في البيان هو ما لم يقله. فإثيوبيا لا تُذكر فيه ولو مرة واحدة. وهذا لافت، لأن القمة جاءت في لحظة توتر استثنائي يشمل إثيوبيا وإريتريا ومصر. فقد اندلع القتال من جديد في تيجراي، واتهمت إثيوبيا كلاً من إريتريا والسودان ومصر بدعم قوى تعارض أديس أبابا، وهو ما نفته هذه الدول. وقطعت إثيوبيا وإريتريا علاقاتهما الدبلوماسية بعد أن طردت أديس أبابا كبار الدبلوماسيين الإريتريين، وتبادلت القاهرة وأديس أبابا إجراءات الطرد.

أما الإغفال الثاني فلا يقل أهمية، وهو الصراع الداخلي الإثيوبي. فلا إشارة إلى تيجراي، ولا إلى جبهة تحرير شعب تيجراي، ولا إلى فانو، ولا إلى جيش تحرير أورومو، ولا إلى أي دعم خارجي مزعوم لقوى المعارضة الإثيوبية. وكان بوسع الدول الأربع أن ترد مباشرة على الاتهامات الإثيوبية، لكنها آثرت ألا تفعل. وكررت بدلاً من ذلك مبدأ عدم التدخل في الشئون الداخلية لدول الإقليم، والدعوة إلى حلول سياسية وسلمية.

وهذا ما يمنح التقارب مرونة دبلوماسية. فهو لا يعرّف نفسه بمعاداة إثيوبيا، لكنه يثبّت مواقف في قضايا تتقارب فيها مصالح المشاركين فيه أكثر فأكثر. وقد يكون هذا أبرز ما في صيغة العلمين، فالبيان لا يقول "ضد من"، وإنما يقول "حول ماذا". فالسيادة، ووحدة الأراضي، والمؤسسات الوطنية، وحوكمة البحر الأحمر على يد دوله المطلة، والقانون الدولي للمياه، ورفض الكيانات الموازية، كلها ذات دلالات استراتيجية واضحة، لكنها لا تُلزم الحكومات الأربع بإعلان كتلة مواجهة.

ويبقى عنصر آخر ذو أهمية، وهو اتفاق القادة على إنشاء آلية لمتابعة نتائج القمة، والاجتماع بصفة دورية أو كلما اقتضت الظروف. وقد تكون هذه الآلية أهم من القمة نفسها، فاللقاء الواحد يمكن تفسيره بأنه دبلوماسية عابرة، أما الآلية الدائمة فتصنع الاستمرارية. وهي تتيح قناة للتشاور السياسي، ومن المحتمل للتعاون في الشئون الأمنية والاقتصادية والاستراتيجية. ولا تزال اللغة الاقتصادية عامة، فلم تُعلن حزم تمويل ولا مشروعات بنية تحتية ولا ممرات تجارية. لكن التكامل الاقتصادي قد يوفر الإطار الأوسع الذي ينمو داخله التنسيق السياسي والأمني.

والاختبار الحقيقي سيأتي لاحقاً. فهل ستجتمع الآلية بانتظام؟ وهل ستنتقل الدول الأربع إلى مشروعات اقتصادية وأمنية ملموسة؟ وهل ستبقى مواقفها منسقة إذا تغيرت الأزمة الإثيوبية؟ وهل يستطيع هذا التقارب أن يظل منفتحاً بما يكفي حتى لا يتحول إلى معسكر آخر في القرن الأفريقي؟ وإلى أن تتضح الإجابات، يبقى العلمين أحذر من حلف، وربما أبعد أثراً منه، فقيمته ستتحدد بما تفعله الآلية، لا بما كُتب في البيان.

 

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved