الإسرائيليون فى معظمهم متورطون فى اعتداءات المستوطنين

من الصحافة الإسرائيلية
من الصحافة الإسرائيلية

آخر تحديث: الثلاثاء 6 أكتوبر 2026 - 6:20 م بتوقيت القاهرة

يومًا بعد يوم، يُنشر عنوان على شاكلة: «مستوطنون يهاجمون قاطفى الزيتون ويسرقون المحاصيل فى قرى عديدة فى الضفة الغربية؛ والجيش الإسرائيلى يمنع موسم قطاف الزيتون».

إن المسئول عن هذا الواقع المتكرر ليس حفنة من الأشخاص، بل شعبًا بأكمله. وليعذرنى الناشطون والناشطات الذين يحاولون بأجسادهم سدّ الثقب الذى يتّسع باستمرار فى السدّ المتداعى، فباستثناء هؤلاء، لا يوجد أحد غير متورط فى أوساط الشعب اليهودى فى إسرائيل.

إذا لم يكن المختارون من الله، الذين انتخبوا بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن جفير، يسرقون الزيتون، فإنهم لا يسرقون العنب والشعير، بل كرومًا وحقولًا كاملة؛ وإذا لم يسرقوا، فإنهم يستولون على قطيع آخر من قطعان الفقراء، تحت حماية عسكرية كاملة؛ وإذا لم يطلقوا النار، فإنهم يضربون بالعصى؛ وإذا لم يضربوا بالعصى، فإنهم يستخدمون قضبان الحديد.

إن استمتاع المعتدين بجرائمهم، التى يرتكبونها علنًا أمام الكاميرات، يقابله صمت متواطئ، أو لامبالاة، أو تقاعُس من جانب الأغلبية.

فى سنة 2008، أُضيفَ إلى قانون العقوبات الإسرائيلى بند جديد يسمح للمرء بإطلاق النار والقتل دفاعًا عن أملاكه: منزل سكنى، أو محل تجارى، أو مزرعة زراعية تشمل أيضًا أرضًا للرعى، ويُعرف هذا البند شعبيًا باسم «قانون شاى درومى»، نسبةً إلى مُزارع فى النقب أطلق النار على رجل بدوى اقتحم أرضه، فأرداه قتيلًا.

قاد يسرائيل كاتس، وزير الدفاع الحالى، الدفع بهذا التعديل فى القانون الإسرائيلى، وآنذاك، برّأت المحكمة درومى من تهمة القتل العمد، بعد أن اعترفت بحقه فى الدفاع عن أملاكه. وقبلت المحكمة حجته فى أن عمليات الاقتحام كانت متكررة.

فى سنة 2025، شهدت الضفة الغربية ما لا يقل عن 1836 حالة من هذا النوع، يمكن تسميتها «حالات شاى درومى»، وهى عبارة عن عدد الاعتداءات التى ارتكبها يهود ضد فلسطينيين خلال ذلك العام، وشملت إلحاق الأذى بالأرواح والأجساد والأشخاص والنباتات والحيوانات والأملاك الأُخرى؛ ومن يناير حتى 20 سبتمبر 2026، كان المعتدون اليهود ألحقوا الأذى بأكثر من 1700 فلسطينى فى حوادث مماثلة، لكن لو كان شاى درومى فلسطينيًا، لَمنعته الممارسات العسكرية من الدفاع عن نفسه، بل على العكس تمامًا، ويا ويل مَن يحاول الدفاع عن حياة أسرته وجيرانه وأملاكهم، مثل فاروق رمضان من قرية تل، الذى قُتل على يد مسلح يهودى، ثم أُعلن أنه «إرهابى»، وعوقب مرةً أُخرى بعد موته، فهُدم منزله، واعتُقل آخرون فى القرية.

منذ سنة 2006، توثّق الأمم المتحدة الطابع المتكرر والمنهجى للاعتداءات التى يرتكبها يهود يُفترض أنهم ملتزمون تمامًا تجاه تعاليم دينهم، ضد الفلسطينيين، بمن فيهم البدو. فى ذلك العام، بلغ عدد الاعتداءات المسجلة 117 اعتداءً. وعلى مدى عشرة أعوام، ارتفع العدد وانخفض بالتناوب. وسجّل المعتدون رقمًا قياسيًا موقتًا فى سنة 2011، بلغ 423 اعتداءً.

أتذكر جيدًا شعور الضيق والاستغاثة الذى رافق المؤتمر الصحفى الذى عُرضت فيه هذه الأرقام؛ آنذاك، مثل اليوم، لم تشمل الأرقام سوى الاعتداءات التى انتهت بإلحاق الأذى بالأشخاص، أو بالأملاك، أو بكليهما، ولم تشمل حالات الاقتحام المخيفة والتهديدات التى لم تنتهِ بأضرار ملموسة؛ ومنذ سنة 2016، حين سُجّل «فقط» 96 اعتداءً، لم يتوقف هذا النمط من الاعتداءات عن التصاعد، تخيّلوا وقوع 1500 اعتداء سنويًا ضد اليهود فى نيويورك، وتخيّلوا وقوع 300 اعتداء مماثل فى برلين.

كلّ هذه الاعتداءات مصوّرة وموثقة؛ يا لها من ضجة، ويا له من صخب كانت ستثيره! ويا لها من تحركات ناشطة كانت ستصدر عن جميع الجهات المسئولة! لكن الاعتداءات والجرائم هنا تعبّر عن إرادة «الدولة العميقة» الاستيطانية. والمعتدون يواصلون السير على نهج إرثها؛ أمّا التنصل الحقيقى منهم، فسيتطلب إعادة النظر فى تاريخنا بأكمله.

إن وسائل الإعلام الإسرائيلية ليست هى المسئولة عن إخفاء الجرائم الواضحة، بل الشعب اليهودى فى إسرائيل، الذى يرفض أن يُقلق أحد راحته، باستثناء تلك الأقلية الصغيرة التى تعارض هذه الممارسات.

وليس رؤساء التحرير هم الذين قرروا أن الاعتداءات الروتينية التى يرتكبها يهود ضد الفلسطينيين لا تستحق أن تتصدر الأخبار، بل خوارزمية نِسب المشاهدة التى تستجيب لصوت الجمهور، ولا يقتصر تحديد الأولويات الإعلامية على مالكى القنوات  التليفزيونية وحدهم، بل يشارك فيه أيضًا المشاهدون الذين يتنقلون بين تلك القنوات.

إن وسائل الإعلام لا تخون دورها، لأنها ببساطة تصغى إلى رغبات الشعب. وما يريده الشعب والمشاهدون هو الاستغراق فى الشعور الدائم بأنهم ضحايا، والتحليق على أجنحة البطولة التى ينسبونها إلى طيّاريهم، ثم الانتقال إلى ﭬلل ذات إطلالات تاريخية. هذا الروتين يزداد تصاعُده، وكلّ يوم يزيد فى حدود التعود؛ فالسادية المفرطة النشاط، تتحرك بلا توقُّف، ليلًا ونهارًا.

إن أموال ضرائبنا تموّل هذه الممارسات، وتموّل أيضًا القضاة والشرطة والجنرالات والمحامين والجنود الذين سمحوا بها ويسمحون باستمرارها. الجميع متورط، باستثناء تلك الأقلية الصغيرة.

ربما تسألون: هل المتقاعدون، والمُنهكون، والمرضى الذين يحتاجون إلى رعاية تمريضية متورطون أيضًا؟ نعم، لأنهم، قبل أن يصبحوا كذلك، كانوا قادرين على كبح جماح السادية، لكنهم لم يفعلوا.

هل هذا الحكم قاسٍ؟ اذهبوا إلى المرضى والجرحى فى غزة، الذين يحتضرون ببطء فى ظل غياب الأدوية وعدم القدرة على السفر إلى الخارج لتلقّى العلاج، وستعرفون منهم معنى القسوة.

وربما تعترضون، وبحق: هل يشمل هذا الاتهام أيضًا الطفل الرضيع الذى استقر والداه، وهما يبتسمان تحت غطاء الرأس الديني، فى مزرعة تقع فى قلب منطقةٍ طرد أصدقاؤهما منها تجمّعًا بدويًا؟

إنه سؤال صعب؛ ستجدون الإجابة لدى أطفال غزة الرضّع الذين قتلهم طيّارونا.


عميره هاس

هاآرتس

مؤسسة الدراسات الفلسطينية

 

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved