الآن ظهرت النوايا الإثيوبية الحقيقية
عماد الدين حسين
آخر تحديث:
الثلاثاء 6 أكتوبر 2026 - 6:15 م
بتوقيت القاهرة
البيان الذى صدر من وزارة الخارجية الإثيوبية يوم الإثنين الماضى شديد الخطورة؛ لأنه يقول إن إثيوبيا بدأت تتعامل رسميًا مع نهر النيل باعتباره بحيرة إثيوبية داخلية، وليس نهرًا دوليًا يرتب حقوقًا لكل الدول التى ينبع منها أو يمر خلالها أو يصب فيها.
هذا البيان رسالة لمصر والسودان بأن هذا هو سقف التفاوض الإثيوبى.
ملخص بيان الخارجية الإثيوبية يقول إن «نهر آباى المعروف باسم النيل الأزرق ينبع من المرتفعات الإثيوبية ويسهم بنحو ٨٥٪ من إجمالى تدفق نهر النيل، وأى نقاش حول استخدام النهر وإدارته ينبغى أن ينطلق من هذه الحقائق الأساسية».
والترجمة الفعلية لهذا الكلام أن النهر ملك لإثيوبيا تفعل فيه ما تشاء، تقيم عليه السدود من دون أى تنسيق مع السودان ومصر حتى لو أدى ذلك إلى تعطيشهما.
فى الأيام والأسابيع والشهور والسنوات الماضية، كررت أديس أبابا على لسان مسئوليها المختلفين هذه الأفكار والآراء، بأن إثيوبيا من حقها أن تفعل ما تشاء فى نهر النيل، كنا نعتقد أن ذلك مجرد مناوشات وتهديدات لرفع سقف التفاوض، لكن أن يخرج بيان رسمى من الخارجية فهذا يعنى ببساطة أن أديس أبابا تقول لنا بوضوح هذه هى سياستى الرسمية وعلى الجميع أن يتعامل معها كما هى.
لم يتوقف بيان الخارجية الإثيوبية عند هذه النقطة بل إنه كشف عن نية سافرة لغزو إريتريا أو الصومال للحصول على وجود بحرى دائم على البحر الأحمر، ليس فقط كميناء تجارى يتم استئجاره كما هو حادث مع جيبوتى الآن، بل كحق سيادى وعسكرى.
فى بيان الخارجية الإثيوبية جاء فيه نصًا: «أن البحر الأحمر مسطح مائى ترتبط به إثيوبيا جغرافيًا وتاريخيًا، ورغم تغير الحدود السياسية، فإن إثيوبيا ما تزال وثيقة الصلة به، ولا تبعد أقرب حدودها عن الساحل سوى ٣٠ ميلًا، وعليه فإن أى نقاش جدى حول الشئون البحرية الإقليمية وهندسة الأمن يجب أن يأخذ فى الحسبان مصالح إثيوبيا المشروعة وارتباطها المستمر بالبحر الأحمر».
هذا الإعلان الإثيوبى يقول بوضوح إذا لم توافق دول المنطقة على منحنا وجودًا سياسيًا دائمًا على البحر الأحمر فسوف نحصل عليه بالقوة.
وتمادى البيان الإثيوبى بالقول إن «الخطابة السياسية أو أعمال زعزعة الاستقرار لن تغير هذه الحقائق الجغرافية والتاريخية ولن تنتقص الأفعال عبر الوكلاء من مصالح إثيوبيا». والعبارات الأخيرة موجهة بوضوح إلى السودان وإريتريا ومصر، لأن أديس أبابا دأبت على اتهام البلدان الثلاثة بأنها تدعم الاضطرابات داخل إثيوبيا بين الحكومة والعديد من القوميات الغاضبة والرافضة لسياسات الحكومة الفيدرالية التى يقودها آبى أحمد.
لسنوات ظلت إثيوبيا تدَّعى أنها لن تسبب ضررًا لمصر فيما يتعلق بمياه النيل، ورأينا رئيس وزرائها الأسبق ميليس زيناوى يكرر عباره الشهيرة «إما أن ننجو معًا أو نغرق معًا»، ورأينا خليفته هيلى ماريام ديسالين يتعهد مرارًا وتكرارًا بعدم الإضرار بالحقوق المصرية، وأخيرًا رأينا آبى أحمد يقسم بالله بأنه لن يضر بالحقوق المصرية، بل إنه سوف يعمل على زيادتها.
للأسف الشديد لم نفهم العقلية الإثيوبية كما ينبغى، ولم نفهم أن جوهر تفكير الحكومات الإثيوبية المتعاقبة هو المماطلة والتسويف والخداع والكذب والتضليل وسياسة شراء الوقت حتى يفرضوا أمرًا واقعًا، وبعدها يظهرون وجههم الحقيقى.
بيان الخارجية الإثيوبى، أمس الأول، هو الوجه الحقيقى للسياسات الإثيوبية المتعاقبة. الفارق فقط أنهم كانوا يشعرون بالضعف والخوف الداخلى أو الخارجى، وبالتالى يقدمون وجههم الطيب. لكنهم الآن يعتقدون أنهم صاروا فى مركز قوة، معتمدين على دعم إسرائيلى وأمريكى وغربى، يرى فى إثيوبيا نقطة ارتكاز فى منطقة شرق إفريقيا، وزاد على ذلك أن آبى أحمد ينظر إلى نفسه باعتباره «ملك الملوك» الذى سيعيد المجد إلى إمبراطورية الحبشة التاريخية، وأن ذلك لن يتحقق إلا بالكيد والتآمر والإضرار بمصر عبر مياه النيل. هو يحلم ببناء إمبراطورية يكون هو ملكها المتوج وباعث نهضتها، لكنه نسى شيئًا مهمًا وهو أن التركيبة السكانية والإثينية والقومية لبلاده شديدة الهشاشة وهو أمر شديد الخطورة.
آبى أحمد مثل غيره من حكام وقادة إثيوبيا لن يتراجع عن هذا السلوك الخطير، إلا إذا شعر وأدرك أنه سيدفع ثمنًا باهظًا.
وأظن أن ما قاله الرئيس عبدالفتاح السيسى صباح أمس الأول خلال لقائه مع المجلس الأعلى للقوات المسلحة بمناسبة ذكرى انتصارات أكتوبر المجيدة بأن «حصة مصر المائية حق تاريخى وقانونى راسخ لا يقبل الانتقاص أو المساس به»، كان رسالة مهمة لم تتأخر فى الوصول إلى إثيوبيا.