الاصطفاف الشرق أوسطى انتظارا لبايدن

مصطفى كامل السيد
مصطفى كامل السيد

آخر تحديث: الأحد 6 ديسمبر 2020 - 9:15 م بتوقيت القاهرة

ربما لم يثر انتخاب رئيس أمريكى جديد كما من القلق يقترب مما تعرفه العواصم الرئيسية فى الشرق الأوسط فى الوقت الحاضر بعد تأكد هذه العواصم من حصول المرشح الديمقراطى جو بايدن على أغلبية شعبية يترجمها فوز ساحق فى المجمع الانتخابى الذى سيعقد بعد أيام قليلة. التخوف من توجهات الإدارة الأمريكية الجديدة هو الشعور السائد فى الدول التى ربطتها علاقات وثيقة بإدارة دونالد ترامب من الرياض وأبى ظبى مرورا بإسرائيل وأنقرة، وتكشف مقالات الصحف المصرية عن مشاعر متشابهة. وبينما تعلق عواصم وسلطات أخرى آمالا على وصول هذه الإدارة الجديدة مثلما هو الحال فى طهران ورام الله، تخرج دول المغرب العربى عن حالة التهيج هذه، فلا يبدو أن نمط علاقاتها بالولايات المتحدة سيختلف كثيرا أيا كان من الذى كسب السباق إلى البيت الأبيض فى واشنطن. وإذا كانت ملامح الاستعداد لمواجهة الإدارة الجديدة واضحة فى معظم عواصم الشرق الأوسط، عربية أو غير عربية، يبدو أن القاهرة ما تزال تتحسس خطاها فى كيفية التعامل مع هذا الواقع الجديد، وكذلك مع ردود فعل العواصم التى كانت تحتفظ معها بأوثق الصلات السياسية والاقتصادية على حد سواء.
تباين ردود الفعل بين هذه العواصم يتوقف على مدى الاختلاف المتوقع فى توجهات الإدارة المقبلة بالمقارنة بالإدارة الحالية والتى ستكون مرغمة على رفع أيديها عن مفاتيح السلطة فى واشنطن خلال أسابيع، فليس هناك ما تخشاه مثلا دول المغرب العربى الأربع، موريتانيا والمغرب والجزائر وتونس، من مقدم إدارة أمريكية جديدة، فلا توجد قضايا خلافية بينها وأى من الإدارتين الحالية أو المقبلة، وإن كانت كل من الجزائر والرباط ستسعيان لكسب تأييد إدارة بايدن لموقف كل منهما بالنسبة لقضية الصحراء، ولكن لا يبدو أن الموقف فى الصحراء سيتطور على نحو يجعل من كسب التأييد الأمريكى لأى منهما عاملا مرجحا فى صراع مقبل.
يختلف الأمر مع عواصم الشرق الأوسط. توجهات الإدارة الجديدة تنبئ بخلافات مع هذه العواصم حول قضايا تعتبرها مصدر تهديد لأمنها الوطنى، مثل نمو النفوذ الإيرانى فى كل الشرق الأوسط، ومواصلة الاحتلال الإسرائيلى لأراض فلسطينية وعربية، والتحركات التركية لفرض واقع جديد فى شرق البحر المتوسط وفى كل من سوريا والعراق، ومدى احترام كل هذه العواصم لحقوق الإنسان فى تعاملها مع مواطنيها، وهو ما تعتبره كل هذه العواصم قضية أمن وطنى، وهو فى حقيقته قضية أمن أنظمة.
لا تقف معظم هذه العواصم مشلولة اليدين فى انتظار قدوم هذه الإدارة الجديدة. تحركاتها الدبلوماسية واضحة، ومؤسساتها الحاكمة لا تتوانى عن اتخاذ مواقف تريد أن تأخذها الإدارة الجديدة بعين الاعتبار. هذا واضح فى مجمل الاتصالات الإسرائيلية الخليجية خلال الأسابيع الأخيرة، وهو واضح أيضا فى تصريحات القادة الإيرانيين، وهو ما يبرر عنوان هذا المقال الذى يصف هذه التحركات بالاصطفاف، وهو تعبير تردد على ألسنة قادة عسكريين، ويستخدمونه فى وصف حالة الاستعداد لخوض حرب وشيكة، ولذلك فليس من المبالغة وصف تحركات قادة هذه العواصم بالاصطفاف لمواجهة موقف يرونه دقيقا وذا صلة وثيقة بأمن دولهم أو أنظمتهم. فما هى ملامح هذا الاصطفاف؟ وما هو موقف الذين يترددون فى الانضمام إليه، رغم أن الدعوة لهم قائمة.
الحلف الخليجى الإسرائيلى
أحد التطورات المدهشة فى إطار هذا الاصطفاف هو ما أصبح بحكم الواقع حلفا يضم إسرائيل ودولتين من دول الخليج هما الإمارات والبحرين وتساندهما المملكة العربية السعودية. وهو يشكل علاقة ترقى بكل تأكيد إلى درجة التحالف الذى وثقته اتفاقات عديدة فى جميع المجالات وخصوصا الأمنية إلى جانب مجالات الانتقال والاتصال والسياحة والمال والاقتصاد والثقافة، ويصل إلى الحد الذى يجعل دولتى البحرين والإمارات تتجاهلان عقوبات فرضها الاتحاد الأوروبى على استيراد منتجات المستعمرات الإسرائيلية فى هضبة الجولان، وتستلطف الخطوط الجوية الإماراتية "الاتحاد" وصف رحلاتها إلى تل أبيب باستخدام التعبيرات الإسرائيلية بكون وجهتها تسهل زيارة «المعبد الثانى» وهو الوصف الإسرائيلى لمنطقة المسجد الأقصى وحائط المبكى على أحد جدرانه، وذلك وفقا لشبكة السى إن إن الأمريكية. هذا الحلف لا يخفى قلقه من توجه الإدارة المقبلة لإعادة العمل بالاتفاق النووى مع إيران، ولكنه يعزى نفسه بأن التفاوض حول هذه العودة سيستغرق زمنا، وأن إدارة بايدن سوف تكون أولوياتها الأولى هى مواجهة جائحة كوفيد وتبعاتها الاقتصادية فى الولايات المتحدة، وأن الرئيس الأمريكى لا يحتكر القرار فى السياسة الخارجية، فمؤسسة الكونجرس يمكن أن تعوق تنفيذ سياساته، ومؤسسات الصحافة ومراكز الفكر يمكن أن تؤلب الرأى العام ضده، ولا شك أن أذرع حكومات هذه الدول، وفى مقدمتها إسرائيل، تعرف كيف تصل إلى كل هذه المؤسسات، وتجند فيها أنصارا يمكنهم إثارة العراقيل أمام توجهات الإدارة المقبلة التى لا يرضون عنها. ولإسرائيل تحديدا تجارب فعالة فى هذا المجال حيث نجح أنصارها فى جذب الكونجرس بمجلسيه لمعارضة السياسات التى كان الرئيس الأسبق باراك أوباما يزمع المضى فيها بالنسبة للقضية الفلسطينية. بل لقد قامت إسرائيل بالفعل بما كان قادتها يحسبونه استفزازا لإيران باغتيال العالم الإيرانى محسن فخرى زاده المشرف على برنامجها النووى، لجرها إلى حرب فى الشرق الأوسط أو لأعمال عدائية ضد إسرائيل تجعل من الصعب على الإدارة الجديدة بدء التفاوض معها. كما بدأ مسئولو الدول الخليجية وإعلامهم يدعون إلى أن تكون هذه الدول طرفا فى أى مفاوضات مقبلة مع إيران حول برنامجها النووى، صيانة لمصالح هذه الدول التى ترى أن ذلك البرنامج يهدد مصالحها.
الحلف الإيرانى المعادى
أعدت المؤسسات الإيرانية عدتها لمواجهة الإدارة الجديدة. فقد تريثت فى الرد على الاستفزاز الإسرائيلى حتى لا يكون ردها حجة تثبط هم هذه الإدارة فى اتخاذ خطوة الدعوة لمعاودة النقاش مع إيران حول برنامجها النووى، وبينما لم تعلن الحكومة الإيرانية انسحابها من الاتفاق النووى، فإن دوائر أخرى فى الحكومة الإيرانية مثل مجلس صيانة مصلحة النظام والمجلس – البرلمان الإيرانى ــ قررا الدعوة لعدم الالتزام بهذا الاتفاق، والبدء بالسعى لرفع نسبة تخصيب اليورانيوم إلى أكثر من 20%، وهو ما يتجاوز التزامات إيران فى هذا الاتفاق. هذا لا يعنى بكل تأكيد رفض مفاوضات مقبلة مع الحكومة الأمريكية والدول الخمس الأخرى التى وقّعت هذا الاتفاق معها، ولكنه رفع لسقف المطالب الإيرانية فى تلك المفاوضات تستخدمه الحكومة الإيرانية للمساومة حتى لا تنتهى المفاوضات، إن جرت، على نحو يقل عما كانت قد التزمت به أصلا. ومن ناحية أخرى فقد واصلت دعمها لحلفائها فى سوريا ولبنان والعراق واليمن، بل زادت من خلال حليفها «أنصار الله» فى اليمن من الضغط على المملكة العربية السعودية، وعرقلت من خلال حزب الله فى لبنان جهود تشكيل حكومة يترأسها سعد الدين الحريرى، حتى يكون تشكيل هذه الحكومة أحد عناصر التفاوض – عن بعد ــ مع الإدارة الأمريكية الجديدة.
أين مكان القاهرة فى هذه التحالفات
لا تجد القاهرة ولا تبحث عن موقع لها فى أى من هذه التحالفات. بطبيعة الحال لا يمكنها أن تنضم إلى تحالف مع إيران يضر بعلاقاتها الوثيقة مع دول الخليج، كما يتناقض نظامها مع نظام الجمهورية الإسلامية فى إيران، ولا ترضى القاهرة عن تدخل إيران فى شئون الدول العربية من خلال حلفاء لها فى لبنان أو العراق أو اليمن، ومع أن رئيس الوزراء الإسرائيلى قد صرح بأن إسرائيل تقف فى معسكر واحد مع الدول العربية المعادية لجماعات الإسلام السياسى سنية كانت أو شيعية، إلا أن طموحات إسرائيل من وراء تطبيع العلاقات مع دول الخليج، مثل مد أنابيب تنقل نفط الإمارات إلى الموانئ الإسرائيلية أو إقامة شراكة مالية واقتصادية مع دول الخليج أصبح أخيرا دليلا ملموسا على أن هذا الواقع الجديد فى الشرق الأوسط يضر بالمصالح المصرية قبل أن يكون إعلانا صريحا بتصفية القضية الفلسطينية وفقا لمبدأ السلام مقابل السلام الذى تعلنه الحكومة الإسرائيلية. ومع أن معالم كيفية تعامل القاهرة مع إدارة جديدة فى واشنطن لم تتضح تماما بعد، إلا أن دلائل عديدة خرجت من القاهرة فى تصريحات للخارجية المصرية وكتابات صحفية تنبئ بتنبه القاهرة للمخاطر الكامنة على مصلحتها الوطنية فى هذا التحالف الخليجى الإسرائيلى.
والواقع أن الابتعاد عن هذه التحالفات هو الموقف الصحيح، وكذلك عدم ترحيب القاهرة بزيارة غير مشروطة يقوم بها رئيس الوزراء الإسرائيلى للعاصمة المصرية، أو دعوات من الحكومة التركية لفتح صفحة جديدة معها، فلا مصلحة لمصر فى تحالف ينهض على أساس الترحيب بشن الحرب على شعب شقيق فى الشرق الأوسط لوقف طموحات مشروعة تحت إشراف دولى وفق نصوص الاتفاق الدولى الذى خرجت عليه إدارة ترامب، ولا فى التسليم الضمنى باحتلال إسرائيل لأراض عربية فى فلسطين أو الجولان، والتغاضى عن أنشطتها الإرهابية التى طالت علماء مصريين مثلما طالت علماء عراقيين وإيرانيين.
يبقى على القاهرة أن تفتح صفحة جديدة فى تعاملها مع قضايا حقوق الإنسان، وأن تضع حدا لرسائلها المتناقضة فى هذا الخصوص. هذه الصفحة الجديدة مطلوبة من الحكومة المصرية لصالح مواطنيها أولا، كما أنها سوف تنقى جدول حوارها مع الحكومات الأجنبية والرأى العام الدولى، وتتيح الفرصة لحوار بناء مع إدارة جديدة فى واشنطن على أساس المصالح الثابتة للدولة المصرية.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2021 ShoroukNews. All rights reserved