إفلاس مصر.. أين العقدة؟

محمود الخفيف
محمود الخفيف

آخر تحديث: السبت 7 يناير 2012 - 9:10 ص بتوقيت القاهرة

ما زال اقتصاد مصر العينى (المنشآت الصناعية والمصانع والورش والقطاع الزراعى وقطاع البترول وقناة السويس.. إلخ) سليما وبعافية، ولكن جزءا من الاقتصاد فى حالة تعطل نظرًا لتوقف بعض مؤسسات القطاع الخاص وضعف القوة الشرائية الراجع لفقر وإفقار الجزء الأكبر من شعب مصر.

 

ولكن الخطر المتربص والاستنزاف الحقيقى يأتى من القطاع المالى والمصرفى والتجارى والبورصة وبالأخص البنك المركزى والانكماش المستمر فى احتياطات مصر من النقد الأجنبى. لقد اضمحلت احتياطات البنك المركزى بأكثر من 16 مليار دولار (أكثر من 7% من حجم الاقتصاد المصرى) فى أقل من عام، حيث تراجعت من 36 مليارا فى ديسمبر 2010 إلى 20 مليار دولار فى نوفمبر الماضى، أى بمعدل يقل قليلا عن مليار ونصف المليار دولار شهريا. كل هذا يحدث دون أى تفسير من الدكتور العقدة، محافظ البنك المركزى، ودون وضع أى سياسات أو إجراءات نقدية وقائية واستثنائية فى ظل ظروف استثنائية، ظروف ثورة يترصد لها أعداء الأمة لإسقاطها بكل السبل والأسلحة بما فى ذلك الأسلحة الاقتصادية والإفلاس وبالتالى التجويع ثم الإخضاع.

 

منذ قيام الثورة وحتى الآن لم يخرج علينا الدكتور العقدة ليفسر لنا كيف تنضب خزانة مصر، وأين تذهب أموال مصر ولماذا؟ ولم يتخذ أى إجراء عدا وضع بعض القيود على خروج بضعة آلاف من الدولارات للأفراد، دون أن يضع أى قيد على خروج مئات الملايين من دولارات مستثمرى البورصة أو حتى قيود على خروج وتسرب مئات الملايين من دولارات الشعب المصرى التى نهبها النظام السابق. لو حدث ذلك فى أى بلد آخر لقامت الدنيا ولم تقعد قبل استجواب محافظ البنك المركزى وإرغامه على تطبيق سياسات وقائية إن لم يفعل ذلك من تلقاء نفسه كما تتطلب مهام هذه الوظيفة المحورية والخطيرة.

 

ولو استمر الأمر على هذا المنوال ستنكمش الاحتياطات لأقل من عشرة مليارات دولار قبل انتخاب رئيس مصر الثورة فى شهر يونيو المقبل، وقد تنضب هذه الاحتياطات بالكامل وتفلس مصر قبل تسلم حكومة الثورة مقاليد الحكم. وقد تخوى خزانة مصر من أى نقد أجنبى يسمح لها باستيراد الاحتياجات الضرورية للشعب من قمح وزيت وسكر ومستلزمات إنتاج.. إلخ. إذا استمر الأمر على ما هو عليه سوف تضطر الحكومة المنتخبة والرئيس المنتخب، أيا كان انتماؤهما السياسى ومهما كانت درجة وطنيتهما واستقلالهما عن الغرب، سيضطران للاقتراض الخارجى وسيضطران مرة أخرى للرضوخ والإذعان لشروط ووصاية وسياسات صندوق النقد الدولى والبنك الدولى، سيضطران مرة أخرى لاتباع سياسات اقتصادية أدت لبيع أصول مصر وقطاعها العام وإلى فساد وإفساد مستفحل وفقر مدقع وتعليم متدنى وصحة متهالكة، سيضطران إلى اتباع سياسات تخضعنا مرة أخرى للتبعية الخنوعة لسياسات الغرب وأطماعه. ولو استمر الأمر على ما هو عليه فقد نعود إلى ديون خارجية تضاهى ديون الخديو إسماعيل ونعود لأيام المستشار الإنجليزى والمستشار الفرنسى فى وزارة المالية وما تبع تلك الأيام من استعمار مصر.

 

إن اقتصاد مصر العينى والمادى لم يَنْهَرْ والأزمة الاقتصادية ليست بسبب الثورة ولكن الجزء الأكبر من السبب يكمن فى إدارة احتياطات مصر من النقد الأجنبى والسياسة النقدية وسياسة الائتمان المتشددة التى لا توفر السيولة لتسيير حركة الإنتاج. إذا كانت هذه هى العقدة فهل هناك من حل؟

 

هذا المقال يعكس رؤية الكاتب وليس له علاقة بالمؤسسة التى يعمل بها.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2020 ShoroukNews. All rights reserved