السلفيون فى مصر .. إشگاليات الانتقال من الدعوى إلى السياسى

هشام جعفر
هشام جعفر

آخر تحديث: السبت 7 يناير 2012 - 9:19 ص بتوقيت القاهرة

شهدت الحركات والمجموعات السلفية بعد 25 يناير دخولاً متزايدا إلى ساحة العمل العام فى مصر، والعمل السياسى بشكل خاص اتخذ مظاهر متعددة وأشكالا متباينة كان جوهرها الأساسى المشاركة فى جميع الأحداث الكبرى والأساسية بعد 25 يناير، وتُوٍّج هذا التوجه بالاشتراك فى انتخابات مجلسى الشعب والشورى عبر التحالف الإسلامى.

 

إن تقويمًا دقيقًا لتوجه الحركات السلفية فى مصر نحو السياسة بالمعنى التنافسى الحزبى والتمأسس فى أحزاب سياسية؛ من شأنه أن يساعد فى الإجابة على تأثير ذلك فى بنية الحركات السلفية وطبيعة خطاباتها.

 

وأحاول فى هذا المقال تقديم بعض الأطروحات التقويمية لهذه المسألة بالغة التعقيد، وقد اعتمدت فى هذا على تقويمات قمت بها فى النظر إلى تجربة الدخول المتزايد للإخوان المسلمين لساحة العمل العام منذ 1984 وحتى الآن، ولا أظن أن الحركات والمجموعات السلفية قد توقفت كثيرًا أمام هذه الخبرة.

 

الخلط بين المطلق والنسبى

 

وقد تجلى هذا الخلط فى كثير من الحركات السياسية الإسلامية التى دخلت العمل السياسى حين تجاور فيها نوعان من الطرح:

 

الطرح الدعوى والطرح السياسى الحزبى، غافلة أو متغافلة أن لكل طرح مقتضياته وشروطه لأنهما من طبيعتين مختلفتين.

 

الطرح الدعوى يسعى إلى تجميع أكبر قدر من الأنصار حول أهداف ومبادئ إسلامية عامة تستقطب بها فئات معينة؛ لاحتوائها داخل أطر تنظيمية أو مجموعات بينها رابط تنظيمى ما. وهذا لا ضير فيه طالما يتم تقديم أهداف إسلامية عامة يلتف المجتمع حولها، إلا أن المفارقة تتأتى من أن هذه الأطراف الدعوية هى نفسها التى تعمل داخل ساحة العمل السياسى الحزبى، بما يعنيه من ضرورة اتخاذ مواقف محددة تجاه القضايا والموضوعات مع تقديم صورة التغيير التى تنشده وعرضه على الناس حتى تأخذ موقفًا محددًا منه.

 

إن تعامل الحركات السلفية مع السياسة، أى دخولها إلى ساحة العمل السياسى التنافسى وطرح نفسها كأحد قواه الفاعلة يتطلب منها اتخاذ مواقف أكثر وضوحًا وتحديدًا تجاه الأحداث الجارية أو القضايا السياسية والفكرية المطروحة، وهذا ما يتم ولكن يترواح بين منطقين من طبيعتين مختلفتين: الأول فقهى يغلب عليه طابع الفتوى، والآخر سياسى يغلب عليه طابع المصلحة كما يقدرها القائمون على الحزب (تأمل معى خطاب شيوخ الدعوة السلفية بالنسبة للمسيحيين الذى يغلب عليه الموقف العقائدى الفقهى، ومنطق الخطاب السياسى الذى يتبناه قيادات حزب النور).

 

 

وقد تجلى هذا الخلط أيضًا فى مسألة العلاقة بين الجماعات السلفية وبين الأحزاب التى أنشأتها، فالاثنان من طبيعة مختلفة، ومن ثم كان هذا الاختلاف بين الخطابين اللذين يصدران عن كل منهما، ومن المتوقع أن يزداد التوتر والخلاف بين الاثنين فى المستقبل، على الرغم مما يبدو من اتحادهما الآن لظروف التحدى الانتخابى القائم بما يستدعيه من وحدة وتجاوز للتناقضات. والأخطر فى هذا الصدد أن كلاً من الجماعة والحزب سيكونان مراكز ثقل إزاء بعضهما البعض، فالأولى تستحوذ على قوة الرمزية الدينية بالإضافة إلى الثقل الجماهيرى، وهما ما يحتاجه الحزب فى المرحلة الأولى لنشأته، ولكن فى ظل تمتع الأحزاب السلفية بأعضاء فى البرلمان قد يصل إلى مائة عضو من شأنه أن يجعل هناك تنافسا وصراعا بينهما. وهذا بالمناسبة من الإشكالات التاريخية التى جعلت الإخوان دائمًا يتحفظون على نشأة حزب للجماعة دون وضوح لطبيعة العلاقة التنظيمية بين الاثنين؛ وقد كان الالتباس فى العلاقة أحد الأسباب الأساسية وراء رفض جماعة الإخوان الاعتراف بحزب الوسط الذى خرج فى بداية الأمر من رحمها.

 

الملاحظة الأساسية فى هذا الصدد أن الأحزاب السياسية السلفية لم تحقق فاعلياتها فى ذاتها حتى الآن، أى لم تستطع حتى الآن أن تحقق وجوداً مستقلاً عن جسد الحركات الأم التى أنشأتها: فلم تستقطب أنصارًا جددًا، ولم ترب كوادر غير التى أردفتها بها الحركة، ولم تحقق فوزًا فى الانتخابات إلا بمساندة مشايخ وأنصار حركاتها السلفية، إلا أن الوجود المستقل لهذه الأحزاب سرعان ما سيتصاعد تدريجيًا فى ظل تقل عدد كبير من أعضاء البرلمان، ويفاقم من هذا الوضع أن الحركات والاتجاهات السلفية ليست تنظيمًا محكم الحلقات كما فى جماعة الإخوان بل أقرب لفكرة التيار العريض.

 

إعمال النسبى فى المطلق

 

والمقصود بالنسبى هنا هى السياسة التنافسية، أما المطلق فهو الدين، ويلاحظ من خلال استقراء خبرة الحركات الإسلامية مع السياسة؛ أنه بعد أن كانت الممارسة السياسية من قبل الحركات الإسلامية انتقال بالدعوة، التى هى مطلقة من جهة أنها ــ أى الدعوة ــ مناداة بالمبادئ الأساسية والقيم العليا للإسلام، إلى الحيز الرسمى، تم إعمال النسبى التى هى هنا السياسة من جهة أنها اجتهادات وآراء متعددة ووجهات نظر متباينة،فى المطلق، وبعد أن كان الهدف هو «تديين السياسة»، أى إخضاعها للمبادئ الأساسية للإسلام وقيمه العليا، وتحقيق أو خلق الأرضية الشرعية الدينية للممارسة السياسية، ثم «تسييس الدين»، ليس بمعنى النظر إلى السياسة باعتبارها جزءًا من التصور الدينى الإسلامى، ولكن من جهة إعادة تفسير الدين ليتضخم فيه الشق السياسى على بقية مكونات البناء الإسلامى. (وهذه بالمناسبة إشكالية قديمة فى الفكر الإسلامى المعاصر بدت واضحة فى السجال الذى دار بين كل من المودودى والندوى حول التفسير السياسى والتفسير الحقيقى للإسلام، بالإضافة إلى الحوار بين فكر الإخوان وفكر سيد قطب كما برز فى كتاب دعاة لا قضاة).

 

وتأمل معى كيف تحولت ممارسات بعض أتباع الحركات السلفية فى الانتخابات الأخيرة من أن تقدم سياسة نظيفة وأخلاقية ــ كما أعلن بعض المشايخ ــ إلى سياسة تستبيح وتستحل بعض الأخلاقيات الإسلامية الأساسية من أجل الصراع الانتخابى.

 

السياسة تحولت ــ فى إطار ممارسة بعض أتباع الحركات السياسية الإسلامية ــ إلى «تفسير مطلق» أو حقيقة كلية تعيد تفسير أو تفكيك الدين بإعطاء بعض أجزائه ومكوناته حجمًا أكبر من حجمه الطبيعى فى التصور والرؤية الإسلامية، وقد خلق هذا ذهنًا خاصًا يرى كل شىء بالمنظار السياسى التنافسى، وبعد أن كانت الممارسة السياسية حقيقة وقتية ارتبطت بظروف وملابسات معينة (وهى هنا عند السلفيين الحفاظ على الهوية الإسلامية لمصر)؛ تحولت إلى حقيقة دائمة مطلقة. وقد امتدت هذه الحقيقة «المطلقة» إلى إعادة تفكيك وبناء الواقع القائم، فلا يرى الطرح السياسى الأزمة المجتمعية التى نعانى منها، وإنما يريد القفز إلى السلطة، تلك العصا السحرية القادرة على حل كل معضلات ومشكلات الواقع، ومن ثم يتم اختزال المشروع الإسلامى باعتباره مشروعًا شاملاً يستهدف إصلاح حال الأمة إلى جانب سياسى يتمحور حول السلطة ومكامن أتخاذ القرار فى الدولة، وعندئذ تصير المهمة الأولى «لإقامة الدين» هى إقامة السلطة السياسية الحاكمة باسم الإسلام حتى يتسنى تطبيق «النظام الشرعى الكامل»، بدلاً من إقامته فى النفوس والأفئدة، وواقع الأمة المعيش.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2021 ShoroukNews. All rights reserved